العودة   منتديات الأسطورة > الاستراحة العامة > الأدب والفن والتراث
 
 
الإهداءات


مجموعة اشعار وخواطر لعيونكم

تراث الاجداد والفنون الشعبية والتراثيـة


إضافة رد
 
 
LinkBack أدوات الموضوع انواع عرض الموضوع
قديم 03-14-2005, 10:16 PM   رقم المشاركة : 1
معلومات العضو
ريانيه
 عضو متقدم 
 
الصورة الرمزية ريانيه

 

إحصائية العضو












Smile مجموعة اشعار وخواطر لعيونكم


 

هذا كتاب لأحد الشعراء به مجموعة طيبه من الاشعار والخواطر وقلت بعرضه فالمنتدى لتزيدوا من ثقافتكم الشعرية

مجموعة اشعار وخواطر لعيونكم

دار الحكمة للنشر والتوزيع والترجمة
فلسطين - خان يونس
هاتف 0972-7-854189:
فاكس :0972-7-853555
عنوان الباحث: الدوحة قطر ص ب 80
هاتف وفاكس: 0974-860863

إضاءات في الشعر
الفِلسطينيّ المعاصر

تأليف
يحيى زكريا الأغــــــــا


الجزءالثاني

دارالحكمة
غزة


الإهداء
إلى الذين لم يسلّموا راية الجهاد
طالما بقيت فلسطين محتلّة
فالكلمة الملتزمة والموجهة، والبندقية المقاتلة تسير في خط واحد


المؤلف

كلمة شكر وتقدير
1- إلى الصديق الشاعر الكبير/ سميح القاسم ، الذي كان له ولصحيفته الغرّاء ( كل
العرب ) الفضل الكبير في رحلة التواصل وبناء جسر التلاقي مع شعراء فلسطين الجزء
الغالي من الوطن.
2- إلى الصديق الشاعر الكبير /حسين مهنا الذي ساهم بصورة مباشرة بنقل ندائي إلى
الشعراء في فلسطين.
3- إلى الصديق الشاعر الكبير / شفيق حبيب لدوره الفاعل في ربطي بشعراء فلسطين.
3- وإلى الأستاذ الدكتور/ محمد البوجي الذي كان له الفضل الكبير في ربطي بشعراء
قطاع غزة الجزء الآخر من الوطن.
4- الشكر إلى كل الشعراء الذين تجشموا عناء إرسال دواوينهم الشعرية عبر
الناسوخ، وعبر الدول العربية والأوربية، تلبية للنداء، فكان هذا الكتاب واحداً
من ثلاثة كتب ستصدر تباعاً.


وطني يعرف ظهري
أحملك أقاتل بالجير الأبيض
أحملك أحبّك في صدري سعفة نخل
وأحبّك في ظهري سكين
وأحبّك في عنقي غصناً من ورد
وأحبّك في عنقي سكين

نعم لن نموت، نعم سوف نحيا
ولو أكل القيد عظمنا
ولو مزقتنا سياط الطغاة
ولو أشعلوا النار في جسمنا
نعم لن نموت، ولكننا
سنقتلع الموت من أرضينا
معين بسيسو
غزة


نحن من هذه الأرض، جذر، ودهر، وسحرٌ
ومهرٌ، ونحن التراب
ونحن العذاب، ونحن الجواب، ونحن الزمان
ونحن المكان، ونحن الأمان
فيا هذه الأرض لن تستباحي، ويا فرح الأرض عند الصباح
ونحن معاً، يا تراب الوطن
نتحدى المحن

شدّوا القيد في الجبين الشهم
الآف المسامير، ودقّوا
لم يمت دين، وفي ناصية الديّان
يستنفر عرقٌ
واسألوا التاريخ
هل مات على التاريخ حق.
شكيب جهشان
طبريا - قرية المغار


مهما يطول زمان الغدر يا وطنــــي فعودة الحق بالإصرار ترتهــــــــن
طال الظلام فهل شمس تضئ لنـــــا درب الخلاص فتعلي رايتي القنـــن
درب الخلاص رجالي السمر تعرفـه إن ضاق برٌّ فهذا البحر يا سفــــن
هذي فلسطين لا أرضى بها بـــدلاً حتى يواري رفاتي الصمت والجنن


شفيق حبيب
الجليل - دير حنا





وفلسطين أحرفها تجمع مذخوراً لغوياً
أحرفها تذكر في نطق الطفل
أول ما ناغى أمه
وحفيف الصوت
في أجنحة الكلمات العذبة
يحملها نبض بلاده
يحملها همّاً وسعادة
تعرفه - قسماً - هذي الأرض
من عرق الجد وجدّ الجد
قطرة ضوء
سيفاً ممتد
ورشيقاً كالنسمة
وبعيد الهمًة
إن الحلم فسيح في عينيه
وفسيحاً في يديه
ويداه هدايا
ساقاه وصايا
د . فاروق مواسي
الجليل - باقة الغربية


يا من تسألني عن سر البسمة في شفتي
حدّق في عينيّ
وستبصر أنني رغم الهمّ الدائم
لا أجلد ذاتي
فأنا إن ضاقت أيامي
واتسعت خارطة الحزن أمامي
أطلق ذاك الطفل الموثق في صدري
وأنادي
من قِحْف الرأسِ
وغور النفس... أنادي
أفديك ..... بلادي
حسين مهنا
الجليل - البقيعة

حبّك يا وطني
يقتلني
ينخر في جسدي
حتى العظم

حبّك
يجعلني معجزة
تتجدد
بالروح وبالدّم


زينب حبش
يافا -رام الله




المقدمة
وتبقى القصيدة اللغة الأقرب إلى التأثير في المشاعر والأفكار، ويبقى الشعر سيّد
الفنون قاطبة، وأسمى ما قيل ويُقال قياساً بالفنون الأخرى، ويبقى الشعراء
علامات مضيئة في تراثنا وحضارتنا وتاريخنا، لحاضرنا ومستقبلنا، فالقصيدة لغة
شعرية متميزة، ترتكز على معطيات فنية بنائية خاصة، تتجانس مع الواقع، وتتزاوج
مع إرهاصات الشاعر النفسية، فتعكس الواقع، لتضيئ أفاقاً جديدة من الرؤى،
وتستشرف قراءات للمستقبل، من خلال حسٍ مرهف يتمايز به الشاعر،وبصيرة فاحصة
للغد.
وإذا كانت الفجوة مازالت قائمة بين القصيدة العربية وبعض قرّائها، وانزواء
الشعر في هذه الفترة، وبروز بعض الفنون الأخرى، فهذا لا يعني بالضرورة بأن
الشعر فقد مكانته الكبيرة والمتميزة التي يحظى بها، فهناك الكثير من العوامل
ساعدت على ذلك، فرغم ظهور العديد من الدواوين في الفترة الأخيرة، إلا أن
معظمها، وليس جميعها، محكوم بتقاليد مكرورة أحيانا، واعتمادها على المنثور منه
بشكل مسرف، ففقدت القصيدة أركاناً مهمة في بنائيتها تتعلق بالتوحد البنيوي
الفكري والمنهجي والموضوعي من جهة، ولغة الإبداع والإلتزام من جهة ثانية.
ولكن ليس معنى ذلك أن القصيدة فقدت لغتها المبدعة، فهناك العديد من الشعراء
بقوا على النهج القديم الذي يحفظ للقصيدة قيمتها الفنية والموضوعية على السواء،
لإيمانهم بهذا القديم الجديد، فابتعدوا عن المبتذل من الموضوعات، والرخيص من
الألفاظ، من أجل تحقيق أهداف عامة للأدب، وهناك من ارتأى في التجديد أساساً
لمسايرة الواقع، فالجمود يعني نهاية الفن، وبدأوا رحلة التجديد فحققوا للقصيدة
شموخها، وللشعر مكانته بين الفنون الأخرى، فنوّعوا في بنيتها بما لا يحط من
قيمتها، فكانت ومازالت قصائدهم تمثل رصاصات في زمن القهر، وإضاءات في ليل
مدلهم، وروحاً في الجسد الهزيل، ومنطلقاً إلى آفاق رحبة في دنيا الفن.
لهذا يمكننا القول بأن البنائية الفنية للقصيدةلا يمكنها أن تقف عند حد معين
حتى بظهور الشعر المنثور الذي أصبح واقعاً لا جدال فيه، وإن كان الكثير من
نقادنا وأدبائنا يرفض هذا اللون من الشعر، كما رفضوا سابقاً الشعر الحر.
إن النص الشعري يبقى ذا قيمة فنية عالية، إذا صاحبه تطور مدروس قائم على أسس
فنيّة يستمد منه الشكل أساساً بنائياً له من خلال المضمون، فللشاعر مطلق الحرية
في بناء المضمون والنص تبعاً للمؤثر، شريطة تجانس بين مكونات العمل الفني من
ألفاظ وعبارات، وصور وأخيلة، وموسيقى، ولهذا يمكننا القول بأن الشعر الذي عاش
قروناً ومازال بيننا، يرجع لكونه ارتبط بأسس فنية وموسيقية ثابتة ومتنوعة، وليس
كما يقول البعض بأنه محكوم لقواعد فنية لا يمكنه الحيد عنها رغم عدم التوحد
الذي بنيت القصيدة على أساسه، فالتفاعيل داخل النص هو جزء من الموسيقى، ودخول
الزحافات عليها وتنوعها نوع من الموسيقى وبالتالي فهذا لون من عدم التقيد
بالتفاعيل كما جاء بها الخليل بن أحمد.
إن مسيرة الشعر لم يصاحبها الجمود، وإنما تطورت ونمت، وواكبت روح العصر،
ومعطيات الواقع، وبقي الشاعر هو الشاعر، لسان حال أمته قديماً وحديثاً، وكل هذا
نابع من إيمان مطلق بالقيمة الحقيقية لهذا الفن، وما ظهور الشعر الحر في
الأربعينيات إلا تتويجاً لرحلة طويلة من العطاء المتجدد، وقد سبقه تجديد في
بنائية النص تأثراً بالمدارس الشعرية المختلفة التي ظهرت في وطننا العربي سواء
استمدت المدرسة خصائصها من طبيعة الواقع العربي أم كان تقليدياً متأثراً
بثقافات أجنبية، فالشاعر الجيد هو الذي يؤمن بذاته، ويؤمن بأن انحساره في دائرة
يعني جموده، وجموده يعني موته، والشعر لا يمكن له الذوبان طالما وجد أمناء عليه
من أبناء العربية الملتزمين بقضايا العصر، والمواكبين لروح الحياة، والمتطلعين
لبنائية شعرية جديدة قائمة على أسس سليمة من خلال رؤى استشرافية رائدة، تتخذ من
المشاعر الصادقة والإحاسيس المرهفةمنهجاً لسموشعره.
الشاعر يعني الإبداع، والإبداع يعني التفاعل، والحياة، وصولاً إلى رؤية فكرية
ومنهجية متميزة وجديدة، وتكنيك بنائي يتوازى مع التجربة يظهر في القصيدة
الشعرية.
الشاعر يعني الإلتزام تجاه كل القضايا الحياتية والمصيرية التي يراها بعقله،
ويفكر بها بوجدانه، ليكون من ثمرته عملاً متميزاً.
الشاعر يعني العلاقة بينه وبين القارئ، فإن كان الشاعر يرى، فإن القارئ يكون
أكثر رؤية، وبالتالي مهمة الشاعر كبيرة إزاء كل ما يقول، لهذا فإن التبصير الذي
يجب أن يتميز به أن يراعى ألوان الطيف في الحياة بمختلف اتجاهاتها.
الشاعر يعنى الحياة، والوطن والأرض، والشهداء والسماء والأرض، أو بمعنى آخر،
رحلة في أعماق الوطن، والذات، وانصهار في تراب الأرض ليكون قادراً على ممارسة
دوره في المجتمع بالصورة الصحيحة، وليكون شعره ذا قيمة فنية عالية.
الشاعر يعنى غبار الوطن والتحتي والفوقي، والمنتهي واللامنتهي، ليسمو بشعره فوق
الطبيعيات، ويتخطى بإبداعه الزمان والمكان، والغاية والهدف، ويخلق معادلات
كيميائية متميزة.
الشاعر يعني الصور والخيال والإيحاءات والدلالات والرمزية والبنية التكنيكية
المناسبة للتجربة والحدث، والقدرة على ممارسة دوره البصير داخل النص الشعري.
الشاعر يعني القيم والمبادئ والمثل العليا، للخروج بنصه من دائرة الخصوصية إلى
العمومية، ليؤدي رسالته النبيلة في الحياة.
الشاعر يعني المشاعر والأحاسيس للولوج داخل النص الشعري بعفوية تامة، دون
الجنوح إلى الوقفات التي تبطل كينونة القصيدة.
وإذا كانت مهمة الشاعر لا تتوقف عند تلك المبادئ، بل وتتخطاها إلى أبعد من ذلك،
فإن مهمة الناقد البصير ترتكز على التعرف على النص من خلال دراسة متأنية من
جميع جوانبه، حتى تكتمل صورة العمل الأدبي، ويكون الشاعر والناقد قد أثرى كل
منهما الفكر، وأنار الطريق، من خلال التلاقي والتجانس والتلاحم بين مقومات
العمل الفني من حيث الشكل والمضمون، واللفظ والمعنى، والتجربة والصورة، وليس من
خلال التناقض.
وإذا كانت مهمتنا في هذا المقام ترتكز على إلقاء الضوء على كوكبة لامعة في سماء
الفكر والشعر العربي والفلسطيني بصفة خاصة من خلال عطائهم المتميز، وإبداعهم
النابع من صدق في التجربة، ترتكز على ثقافة منهجية مدروسة، فإنني أقول: بأن هذه
الدراسة حاولتْ واجتهدتْ، في أن تكون دراسة ترتكز على الشكل دون المضمون، أو
المضمون دون الشكل، بل عنيتْ باللفظ والمعنى، والعاطفة والصورة والفكرة، دون أن
تكون دراسة نقدية تحليلية بمعناها الخالص، وإن كانت أحياناً مالت لهذا الجانب
دون الآخر، فإنما يرجع لطبيعة التكنيك الخاص التي جاءت به القصيدة.
أما الشعراء موضوع الدراسة، فقد حملوا على كاهلهم عبء الوطن، وزخرت دواوينهم
بالإبداعات التي تنم عن موهبة متميزة، وثقافة موسوعية خصبة، فهي ترتكز على
التراث بكل معطياته، والحاضر بكل أمنياته، والمستقبل بكل آماله ورؤاه، فكان
المعجم الشعري أحد الأركان الأساسية في بنائية النص التي أثرت الفكرة بالكثير
من الدلالات والإيحاءات التي فتحت أفاقاً جديدة في تفهّم النص، حتى لنكاد نفهم
النص بعد أكثر من قراءة أحياناً.
الشعراء موضوع الدراسة يمثلون بحق إضاءة جديدة في شعرنا الفلسطيني، من خلال
إبداعاتهم ذات الأبعاد الوطنية والقومية والإنسانية، فتلمّسوا ضباب الحياة،
وغبار الزمن، وربطوه بثرى الأرض، من خلال الماضي القريب، لخلق تفاعلات جديدة في
مضمون اللغة الشعرية لتواكب إشكاليات العصر بكل أبعاده، فأبدعوا وتمايزوا.
ولقد ساهم الشعراء موضوع الدراسة، بنقلة نوعية في بناء النص الشعري دون المساس
بأحد أركان بنائية القصيدة، فالموسيقى الشعرية ظهرت كلغة من الإبداع دون أن
تطغى على الفكرة، والفكرة برزت في النص دون المساس بالمضمون، واللغة الشعرية
تفاعلت مع الموسيقى والفكرة دون أن تطغى على أحدهما، فبرز الرمز واللفظ
والإيحاء والدلالة والجمل الشعرية بتناسق تام مع الموسيقى التي أدت وظيفتها
باعتبارهاجوهر هام في بنية النص الشعري، وبالتالي تفاعل الكل من أجل خدمة
الجزء، والجزء من أجل الكل، في إطار من الكلية التامة.
لقد حاكى الشعراء محل الدراسة الزمن، وأبدعوا واستطاعوا أن يكونوا منارات"
جديدة " في عالم الأدب والفكر، فهم يمثلون جزءاً من خارطة فلسطين باتجاهاتها
الأربع دون النظر إلى التقسيمات المصطنعة التي ستزول بزوال المسبب ولو بعد حين.
وأخيراً، أرجو أن أكون قد ساهمت في بناء جسر من التواصل على الفجوة التي كانت
بين شعراء وأدباء الوطن الواحد، فاتحاً بذلك بوابة فلسطينية جديدة تربط الجنوب
بالشمال، والشرق بالغرب، فهل أكون بذلك قد بدأت؟ أرجو ذلك.
وإذا كان الجزء الأول من الكتاب قد ضم كوبة لامعة في سماء الشعر الفلسطيني
والعربي والعالمي وهم" فدوى طوقان، ومحمود درويش، وسميح القاسم، وتوفيق زيّاد،
وعز الدين المناصرة، وأحمد دحبور" فإن هذا الجزء أيضاً يمثل إضافة أخرى للجزء
الأول، تضاف إلى سابقتها، أما شعراء هذا الكتاب الذين يمثلون إضاءة جديدة في
سماء الفن والشعر خصوصاً فهم: معين بسيسو، وشكيب جهشان، وشفيق حبيب، وفاروق
مواسي، وحسين مهنا، وزينب حبش.
وأقول هنا: لقد آن الأوان لنسف كل الجُدر المشيدة والمصطنعة التي تمنعنا من
التواصل مع شعراء فلسطين في الجزء العزيز علينا.
إن هؤلاء الشعراء العمالقة الذين ندرس لهم في هذا المقام لابد وأن يكونوا قد
أثّروا في الأجيال اللاحقة، وإن لم يؤثروا فإن الزمن كفيل بأن ينهج الشعراء
اللاحقون ما ساروا عليه، وذلك نظراً لعظمة شعرهم، والطاقات الإبداعية الكامنة
المخذونة في قصائدهم، وفي وجدانهم.
ولا أدعي في هذا المقام بأنني أول من بدأ رحلة التواصل، فربما يكون هناك من
سبقني، ولكنني أرى بأن ما أقدّمه في هذا المقام يمثل رؤية جديدة غير مسبوقة من
قبل.
وأتمنى من الله أن أكون قد قدمت، وما هذا إلا نقطة في بحر الثقافة العربية
والفلسطينية، علني أكون قد أصبت، وإن لم أصب، فقد حاولت واجتهدت، ولكل مجتهد
نصيب، وما توفيقي إلا بالله.
يحيى زكريا الأغا
3من رمضان 1418
1/1/1998






الديوان الأول

للشاعر
{ معين بسيسو }

شاعر الحياو والموت والغربة
رمز لزيتونة فلسطين

وديوانه


{ خذي جسدي كيساً من رمل}
إلى غزة بأرضها وسمائها، زيتونها وبرتقالها، شاطئها وبرّها، ينتمي الشاعر،
عَرَفَتْه صغيراً وشاباً يافعاً، عرفته ثائراً بالكلمة، ليعلن من خلالها بأن
الوطن يعرف ظهره، أبدع الشاعر خلال مسيرته الشعرية العديد من الدواوين، ولوّن
شعره بألوان الزمان، فحمل المرار والأسى والموت والغربة، أرّخ لمعطيات العصر،
من خلال ثقافاته المتعددة، فحلّق في سماء الأدب بجناحين متميزين هما، الشعر
والنثر.
معين بسيسو شاعر مكثر، وأديب مبدع، ومؤرخ صادق، وكاتب لامع، قال الشعر في مرحلة
مبكرة من حياته، معتمداً على إرث ثقافي نابع من تأثره بالمدارس الأدببية التي
ظهرت في عالمنا العربي، ثم اختط لنفسه طريقاُ مميزاً من الشعر، فانطلقت قصائده
ترسم لوحات تقطر دماً، وتبكي الديار التي ضاعت، ولا عجب بأن يسير شعره في أنحاء
متفرقة من عالمنا العربي، بل تعدّاه إلى دول أخرى، فنال قسطاً من الشهرة كغيره
من شعراء فلسطين.
مَن يقرأ شعر الشاعر، يحس بتوهّج العاطفة، ونمو الفكرة، النابع من تراثية
عريقة، واتكاء على معطيات الزمن، مع ابتعاد عن المفصّح من الكلمات، وقدرته على
تفتيت العناصر، وتجميعها خدمة لمعطيات النص، مع إضاءات في معظم دواوينه وقصائده
بالمدن الفلسطينية، والشخصيات ذات التأثير النفسي على المتلقي.
وخلال مسيرته الشعرية، نظم أحد عشر ديواناً هي على التوالي:" ديوان المعركة،
والمسافر، وحينما تمطر الأحجار، ومارد السنابل، والأردن على الصليب، وفلسطين في
القلب، والأشجار تموت واقفة، وقصائد على زجاج النوافذ،وجئت لأدعوك باسمك، وآخر
القراصنة من العصافير، وخذ جسدي كيساً من رمل”. إضافة إلى المسرحيات الشعرية
التي كتبها .
وإذا كان الشعر ترجمان النفس الصادق الأمين، فإن الشاعر كان الصادق الأمين مع
رسالته في الحياة تجاه قضيته المركزية ، وهي الأرض والوطن، وكيف لا يكون كذلك،
وعمق الألم كان أكبر من كلمة، وعمق الجرح كان أكبر من قصيدة، وعمق الغدر كان
أكبر من ديوان، وعمق الخيانة أكبر من مجموعة شعرية، فتنقل عبر الحدود الزائفة،
راسماً مأساة العصر، بقارورة من دمه، وريشة من رموشه، فكانت فلسطين بكل حدودها،
وتل الزعتر بكل جرحه النازف، والغربة بكل لواعجها.
ساهم الشاعر بما لا يدعو مجالاً للشك في إثراء الفكر، من خلال نبضه المتجدد
كلما نقلنا من قصيدة إلى أخرى، ومن ديوان إلى آخر، فكان الصوت الفلسطيني
المتجدد مع ميلاد نهار جديد، يضيف إلى الأصوات الفلسطينية المبدعة في عصره.
وإذا أردنا أن نجمع مقومات وخصائص الأديب الشامل، فإننا نجدها في شخصه من خلال
رحلته المتميزة على مدى أربعة عقود من الزمان، مات بعدها واقفا، كالأشجار،
أظهرت هذه المرحلة كل تجاربه، واتجاهاته التي كانت تدور في معظمها حول دائرة
الوطنية والإنسانية.
لقد رأى الشاعر في الكلمة أمانة، فكان المقال، وفي القصيدة رسالة سامية في
الحياة، فكانت دواوينه الشعرية، وفي المسرحية انتصارٌ على الذات، وخروج من
دائرة الروح، إلى دائرة الحياة، فكانت مسرحياته المتعددة.
وبعد اسقراء لكل إصداراته الشعرية، فقد كان الديوان الأخير" خذ من جسدي كيساً
من رمل" هو الذي سنقف عليه بالدراسة والتحليل، لأنه يؤرّخ لمأساة الشعب
الفلسطيني حتى في منافية القصرية، لنرى كم هذا الشعب يصارع الحياة من أجل
الحياة، والموت من أجل الحياة، لأنه عاشق لها.
{ خذ جسدي كيساً من رمل}
ربما يمثل عنوان القصيدة الأولى، " كان يكتب ثم يشطب" لوناً من الإلتزام
والوفاء والصدق تجاه رفيق حياته، " كمال ناصر" ولا عجب أن يفتتح الديوان بها،
فأراد أن يُضفي على الديوان لوناً رمادياً ممزوجاً برائحة الماء، وزهرات الحنون
التي نبتت على قبر الشهيد، فالقصيدة إلى أحد أبرز روّاد الفكر الفلسطيني، ومن
أبرز قادة الكفاح المسلّح، ليجسّد من خلالها صور التحدي والشموخ، ثمّ ليذكرنا
بالخيانة والغدر باعتبارهما الغول الذي يطارد كل المناضلين والإنجازات ماضياً،
وحاضراً، ومستقبلاً، فماذا يقول، أو قال لصديقه الذي اغتالته يد الغدر في منزله
المؤقت في بيروت :
حينما جاؤوا إليه كان يكتب
ثم يشطب
كان في دمه يلعبْ
كان ضد البطل الملفوف بالأوراق
والجرح المعلّب.....
كان يكتب........
ثمّ يشطب.........
ربما لم يرد الشاعر أن يلوّث قصيدته بذكر الذين جاؤوا إليه، ليتخطى بذلك الحدث،
وينتقل مباشرة إلى الحدث الأهم وهو الشهيد، كمال ناصر، حيث استشهد مع رفاقه أبو
يوسف النجار، وكمال عدوان، فقد أسقط الشاعر من النص صورة المعتدين، ليبرز صورة
الدماء التي بدأ يسبح فيها، جرّاء إطلاق الرصاص عليه، ليبرز أيضاً وجها من وجوه
الخيانة والغدر، في مقابل صورة البطل الذي يرفض أن يكون صورة من الأوراق تُقرأ
هنا، وتوزّع هناك.
إن تفاعل الشاعر إزاء هذه القضية نابع من إلتزام مبدأي يرتكز على العلاقات
النضالية التي تربطه مع صديقه الشهيد، ومع إلتزامه الصادق تجاه وطنه، وأبناء
شعبه الذين يمارسون عشق غبار الأرض من أجل الأرض.
ويبدأ الشاعر في عرض طريقة اغتياله، وكأننا أمام شاشة تلفزيونية تصوّر الحدث
بكل شواهده، ودقائقه:
فمه برعم نار
أطلقوا عشر رصاصات عليه
والفم البرعم فتّحْ
حينما جاؤوا إليه كان يكتب
ثم يشطب.
الشاعر يرتكز على تكرار جزء من منهج الشاعر في الحياة، وهي الكتابة، لقد أراد
أن يعيد إلينا صورة الشهيد المناضل، بأنه أحد ابرز كتّاب الثورة الفلسطينية،
فقد إغتالته يد الإثم، لأنه يكتب، ولأنه يفكر، ومادام الأمر كذلك فلابد من
إطلاق الرصاصات العشر عليه لكي يتوقف عن التفكيرن وبالتالي عن الكتابة، ثمّ
يتساءل الشاعر بعد استشهاده، مَن سيكتب بعد ذلك؟ لقد أحس الشاعر بفقده، بأننا
فقدنا لسان حال الثورة والوطن، وبموته تعطّل الفكر، وانزوى القلم:
مَن تُرى الآن سيكتب
ثمّ يشطب
يا كمال
أيها الطفل الذي كان كعصفورٍ متوّج
كنت شبّاكاً على وجه الشجر
ثمّ قد صرت حجرْ......
تناول الشاعر كما نرى، معطيات تبرز منهج الشاعر في الحياة، فاستعان الصور
الجزئية لتوضيح هذه المعطيات، مع تنوّع في أساليب النداء التي توحي في ذاتها
بالقرب وكأن الشاعر يعيش معه لحظة القصيدة، ولماذا لا يكون كذلك، والشاعر متأثر
بالمثير إلى درجة التخيل والمشاهدة.
يا كمال....
ألف قرصان تزوّجْ
فمك الدامي المتوّج
نطفة الثورة في الجرح
وألاف القصائد...
مثل آلاف الموائد
مثل آلاف الجرائد
تولد - آلان - وليلى العامرية
لم تزل تمي على النهرين
في هذي البلاد العربية
والقصيدة كما نرى لوناً من ألوان الرسائل الشعرية التي يتناولها الشعراء عادة
في دواوينهم، وبطبيعة الحال يجب أن يكون لهذه الرسائل ردّ، ولكن الرد هنا لم
يأت على لسان الشاعر، وإنما على لسان الأدباء والمثقفين وزملاء النضال في كل
مكان ، فان الرد هنا بمثابة رسالة تظهر العلاقة القوية التي كان يرتبط بها
الشاعر مع الناس، والأرضية الواسعة التي كان يتمتع بها من شعبية جارفة مع من
استشهد في تلك الفترة، وما يهمنا أيضاً هو اللغة التي استخدمها الشاعر في
الأسطر السابقة والتي تعبّر كما نرى عن انتماء الشهيد لثورته، باعتباره واحداً
من المؤسسين لها، وولائه الواضح لها، ولننظر إليه في الصور التي ساقها ليعبر من
خلالها عن عاطفته الصادقة من خلال الألفاظ والعبارات الدالة على عمق الأسى الذي
اعتور وجدانه" يا كمال ألف قرصان، فمك الدامي، نطفة الثورة في الجرح،آلاف
القصائد..." وجيمعها تعبر عن الشعور الأليم الذي تحرّك داخل الشاعر، ورغم أن
القصيدة قصيرة، إلا أنها وقفت بنا عند نقطة هامة، ترتكز على الإلتزام والوفاء
لأحد قادة الثورة من شاعر فلسطيني عاش الحدث بكل جراحه ودمائه، فكان شاهداً على
الجريمة.
وإذا كانت القصيدة خلت من كثير من الصور الفنية، إلا أنها تتميز بخاصية لا
علاقة لها ببنائية النص، بقدر ما هي محكاة للواقع غير المبرء من الجريمة، وكان
هذا هو هدف الشاعر، بعيدين عن العلاقة التي كانت تربطهما.
أما القصيدة الثانية، والتي تحمل عنواناً مميزاً، ويعكس واقعاً حقيقياً بعيداً
عن الخيال، فهو يعنون قصيدته الثانية( الحجرة رقم 405) وتعني رحيل دون استقرار،
وقلق دائم دون اطمئنان، وهواجس واقعية، دون أحلام، ورؤى رمادية دائمة، دون
إستقرار، دلائل كثيرة تشير إليها القصيدة بعنوانها، فهي تحمل أيضاً صورة من
الألم والموت البطىء:
سيعودون فمازالوا هنا
أنت في قائمة القتلى، وفي قائمة القتلى أنا
ما الذي تنتظرين؟
خيالات ضبابية، وشخوص من الخيالات تسيطر على تفكيره، وجميعها نابعة من التأثير
السلبي للواقع الذي يعيشه، جعلته ينتظر الذين قتلوا صديقه " كمال ناصر" فهم
سيعودون ثانية ليقتلوه، ويقتلوا غيره، فيجب أن يبقى باب الغرفة التي أسكن فيها
داخل الفندق مفتوحاً حتى يدخلوا ويمارسلوا لغتهم المعروفة، نحن إذن أما حالة من
عدم الإستقرار، وانتظار المصير المدجج بالموت في كل لحظة، لهذا سيطرت القتامة
على الألفاظ التي ساقها الشاعر، ولننظر إليه في استفهاماته المتعددة التي تنبئ
بحالة من القلق المستعر، ليس خوفاً من الموت بقدر ماهو خوف من الغدر والخيانة
على مستقبل الثورة والأرض والوطن.
قد تركت الباب مفتوحاً لهم
جسدي الأرض،
وهذا الوقت، وقت الحرث،
هذا وقت إلقاء البذور
ما الذي تنتظرين؟
نشرة الطقس؟ تركت الباب
مفتوحاً لهم.
الشاعر يظهر صورة من صور الإستسلام المسيطر على العقول، نتيجة للحظات القهر
العربي، وفي زمن نُكّست فيه رايات الجهاد، ليعلو مكانها أعلام بيضاء هنا وهناك،
فاستسلامه كما نرى لم يكن جزءاً من تكوين الفلسطيني، وإنما الحالة العامة التي
طغت عليه من إنعكاس الصورة، هي التي جعلته يصل إلى هذا الوضع، وما استسلامه
للأقدار عن إيمان وصدق، بقدر ما هو متألم للمجازر التي حدثت في بيروت.
"تركت الباب مفتوحاًلهم"أيحاء كما نرى بفقدان الذات والهوية والعروبة والمكانة،
فهو هنا يتحول إلى جزءٍ من الأرض، فتارة يصبح جسده الأرض، وتارة أخرى مشتل
أنهار.
جسدي مشتل أنهار، وهذي ليلة الطوفان
تساقط في نيسان أمطار غزيرة
ما الذي تنتظرين؟
نشرة الأخبار؟ في منتصف
الليل الجرائد
لغة الشاعر هناسيطرت عليها حالة من عدم الأستقرار، فمحاولة تفتيت الجزئيات دون
أن يكسرها، ليخلق إلينا صورة إيحائية ذات مدلول يعبر عن حالته النفسية أولاً،
وعن الصورة الرمادية التي تجتاح الأسطر السابقة، مما كان لها مردودها الكبير
على تكوين الصورة، ولا نغالي إن قلنا بأن الشاعر يعتمد في معظم الديوان على هذا
اللون من التعامل مع الصورة.
الشاعر يعتمد على الجزئيات، فيذكر نيسان، ونشرة الأخبار، ومنتصف الليل، ومجهول
الأخبار، وبما توحيه كل جملةمن إيحاءات ذات أبعاد حزينة، وهذا الحزن المتكرر
الذي يتوالى، ينتهي إلى المشرحة.
إن نجاراً يدق الآن مسماراً لكي يجمع لوحين معاً
وضعوا المنشار في عنق الشجرْ
زادت الليلة أسعار الخشب
شجر الأرز على الأكتاف محمول، وباب المشرحة
في انتظار السمك القادم من شط العرب
قد تركت الباب مفتوحاً لهم
كم أحب الثلج في الكأس، وأكره ثلج المشرحهْ
استسلام الشاعر ليس معناه استسلامه لقدره، بل يعني حالة من الإنكسار يعيشها،
وكأن الموت يحيط به من كل جانب، فها هو النجار يصنع التابوت من شجر الأرز،
ومسجّى فيه هذا القادم من شط العرب. وإذا كان النجار هنا قد جمع لوحين، فهو
الأن يجمع كفين مع بعضهما داخل التابوت:
إنّ نجاراً يدق الآن مسماراً
لكي يجمع كفين معاً
أنت من أعطيتني، في ذلك اليوم ، حذاء ومسدس
أَوَلا تجمعنا الآن رصاصة؟؟
أَوَلا تجمعنا الآن سحابة؟؟
ما الذي تنتظرين؟؟
يصعدون الدرج الآن، دقيقة
بقيت لي، أنا أعطيها لك الآن ، دقيقة
مثلما أعطيتني في ذلك اليوم دقيقة
ما الذي تنتظرين؟
ويتكرر السؤال في هذا المقام لتبرز أمامنا صور الصراع الحقيقي الداخلي والذي لم
يكن له تأثير على مضمون القصيدة يقلل من قيمتها، بل أضاف لها الكثير من
الدلالات والإيحاءات ذات الأبعاد المتوازية مع جوهر الفكرة والموسيقى.
حالة الترقب والأنتظار المشوبة بالحذر أخذت مكانها بجانب الفكرة، وإن كانت
جزءاً منها، فهو يرتقى بالفكرة درجة درجة، إلى أن وصل إلى النهاية( دقيقة
)وتكون النهاية، فيتوجع اللحم الفلسطيني، والموت الفلسطيني:
آه يا لحم الفلسطيني، يا خبز الجرائد‍
وإذا كانت الصورة من البداية واضحة، فإن الشاعر هنا كان أكثر وضوحاً، حيث أبرز
الصورة التي ساقها إلينا حالة الألم والتوجع الذي يصاحب الفلسطيني في مراحل
حياته، وتنقلاته، وهجراته، ولهذا أصبح جسده رخيصاً لا قيمة له في المفهوم
العام، إنها صورة تنبئ بحالة من الضياع الهستيري المصاحب لروح الشاعر، نتيجة
انتظاره الموت في كل لحظة، وها هم قد وصلوا الآن:
وصلوا الآن، تركت الباب مفتوحاً لهم
ولكم؟
أنا لصُّ وطني أنا عاشق
أطلقوا، كل البنادق

آه لو كنتِ معي لقاتلنا معاً
ونسفناهم بشمعةْ....
الحياة عند الشاعر أصبحت خاضعة لانتظار لحظة الموت، فيتتبع لحظات الأنتظار،
ليرى الرصاصات وهي تطلق من فوهات البنادق، فيشعر بعدها بأنه غريب عن هذا العالم
الذي كان يعيشه، لكنه أردف فأظهر صورة برغم جزئيتها، وانزوائها، إلا أنها حملت
الكثير من الدلالات والمفاهيم التي تظهر بأن هناك إرادة كبيرة، وجُبن من العدو.
الشاعر يعترف بأنه بدأ لينتهي، لكن أن تكون نهاية بهذا الشكل، فإنه يأبى على
نفسه وشعبه تلك النهاية.
القصيدة في حد ذاتها أظهرت حالة التوتر الشديدة التي يعيشها الشاعر، باعتبارها
جسداً لشخصية الفلسطيني نحو الموت والصراع الشديد الذي يسيطر عليه، وكأنه جسد
بدون روح، أو بأنه لا ينتمي إلى العالم الحديث.
ورغم ذلك إلا أن الشاعر بقي مثالياً لأنه لم ينفصل عن الواقع، ولا العالم
المحيط به، وما ألمه الذي يعيشه، وموته الذي ينتظره، إلا صورة من صور المواقف
المثالية التي يتميز بها الفلسطيني باعتباره مطارداً لأسباب واهية.
وإذا كانت الصورة التي نقلها إلينا الشاعر تعبر عن موقف واقعي، فهي أيضاً تعبر
عن موقف إجتماعي تتحرك من خلاله عوامل الإبادة المنظمة للوجه الفلسطيني على يد
أعداء الدين، إضافة إلى ذلك، فهي صورة من صور النضال الوطني الفلسطيني المتميز،
ولوحة قاتمة في ضمير الشعوب المتخازلة، والتي اتخذت من تعرية الظهور مهداً
لتصرفاتها.
ونقلّب صفحات الديوان، لنشتم منه روائح ذكيّة، نسجتها خيوط الحنون الذي غطى "
تل الزعتر " جرّاء ما حصل له:
" تل الزعتر "
صار جدارك للشعراء جريدة
والقنبلة بكفك ، تنفجر قصيدة
وضفائر كل نساء الأرض
تتمنى أن تصبح علماً لك
لقد تحول هذا التل إلى غير ما كان عليه قبل حصول الجريمة، فتحولت الجدران إلى
صور تبرز الشهداء الذين انزرعوا فيه، وتحول المكان إلى قصيدة تلهب شعور
الشعراء، وكم تمنّت النساء أن تتحوّل ضفائرهن إلى علم ليكون رمزاً لهذا التل.
هذا المشهد الذي رسمه الشاعر هنا يوضح جزءاً من المأساة الحقيقية التي حدثت
للمخيم، فالأيدي الأثمة نالت كل شيء، ولم تترك حركة فيه إلا وحولتها إلى سكون،
فأصبح رمزاً للمقاومة، وللصمود، ومكاناً تفوح منه رائحة الحناء، التي نسجتها
زهرات الحنون في كل زقاق من أزقته،فاستعان لنا الشاعر ليعبر عن هذه الجريمة،
بعبارات ذات مدلول عميق ، وخاصة الفعل الناقص( صار) ليبرز عمق الأسى والمجزرة.
" تل الزعتر "
كل ينابيع وأشجار فلسطين، دبابيس
بشعرِ نسائك
كل شرايين الجنرالات الرُّكع
فوق خرائطهم
أربطة لحذائك
والطائر ولبثمرة والسمكة
وجميع دواوين الشعر
تحلم أن تصبح ألغاماً
تحت ترابك
صورة أخرى للمخيم، رسمها الشاعر لتوضيح ما حدث، فاستعان بألوان، وحركات، ليعمق
الحدث، وكيف لا وهو واحد ممن عاش الحدث، وبالتالي جاءت الصور التي تناولها تنم
عن وعي تام بما يقول، فاجتمع لها الصدق الشعوري، والصدق الفكري، فحملت الكثير
من الألوان الحزينة، فربط فلسطين ومأساتها، بهذا التل ومأساته، وأراد من خلال
طرف واضح، أن يناشد الضمير الإنساني الذي يرى المجزرة دون أن يفعل شيئاً، كما
يحدث على أرض فلسطين من مجازر يومية، وتهويد للأرض، فلا أحد يقف في وجه هذا
المعتدي، فنحن إذن أمام قضية إنسانية، أو بأن القضية خرجت من دائرة المخيم، إلى
دائرة تتعلق بالحياة والموت، والضمير العالمي.
لقد أبرز الشاعر صورة الصمود الحقيقي لهذا المخيم في وجه الجنرالات الذين ركعوا
أمام بوابتك، فكم من قائد انبرى ليدخل هذا المخيم، لكن أفكاره وعتاده تكسّرت
على عتبات بابك، ولم يستطع أحد النيل منك إلا بعد إبادة كل أهل المخيم.
إنه كشاعر أيديولوجي يحاول أن يربط العناصر بعضها البعض، ليبعدها عن التنافر
الفكري، والوظيفي، ولهذا يقترب من الحدث كثيراً حتى يحقق لغة التجربة.
" تل الزعتر “
يا جرحاً يتسع ويصبح
هذا الوطن الأكبر
غنيت طويلاً للدالية على جبل " الكرملْ"
وكتبت كثيراً للزيتونة في جبل " القسطلْ"
وحملتك يا غزة
آه يا غزة.
اتخذ الشاعر من "تل الزعتر " ليبرز أن مساحة الجرح لم تكن مقصورة على أهله، بل
امتد ليشمل كل فلسطين، فكم غنيت للكرمل، وللقسطل، ولغزة، ولكن الجرح هنا اتسع
بصورة أشمل، لقد أراد أن يوقظ ضمائرنا، ويحرك فينا مشاعر من النخوة ما تكفي
لتدمل هذا الجرح الجديد الذي غار لدرجة لا يمكن معها أن يندمل!
الشاعر يحاول الإستعانة ببعض اللقطات التي تربطنا بالماضي، وبآلامه، إلا أن
اللغة التي استعان بها لتل الزعتر كانت أقوى أثراً، ولننظر إلى تلك المعاني
التي صاغها، والألفاظ التي استعان بها، والصور الجزئية التي تبعث في النفس كل
هموم الواقع، وألم الحدث.
ثم ينقلنا الشاعر إلى داخل بيروت، لربط صورة الطفل اللبناني مع طفل المخيم،
وإبراز روح التضامن :
كان العنق يذوب كشمعة
والأطفال وراء المتراس " بتل الزعتر "
في " جسر الباشا " و " النبعة "
يخترعون لطفل في " تل الزعتر ط
وردة.........
هكذا يرينا الشاعر رغم قساوة الحدث، وما يحدث داخل التل، إلا أن هناك أطفال في
مناطق أخرى من لبنان يرسمون لغة الحب عبر وردة يرسلونها إلى أطفال “ تل الزعتر
“، وإذا كانت الوردة في حدّ ذاتها لا تستطيع أن تقدّم شيئاً في مثل هذا الموقف،
إلا أن الشاعر أراد من وراء ذلك أن يرسل رسالة تأنيب إلى العالم من خلال هذه
الوردة.
ولننظر إليه كيف استطاع أن يعبر عن عمق المأساة، وكيف وصلت إلى حدّ لا يمكن أن
تصدّق، فاستعان بصورة في غاية من الدقة " كان العنق يذوب كشمعة" فقد أراد
الشاعر أن يبني علاقة بين الواقع المر، وبين أسلوب المعاناة التي يعيشها أبناء
المخيم، فإيقاع الرؤية الشعرية برز من خلال الصورة التي ساقها لنا عبر ألفاظ
دات معانٍ وتأثير في النفس عميق، ويتابع الشاعر رسم هذه المشاعر بصدق وعفوية:
كانت كف الوطن على الحائط ملصق
كان الوطن قميصي
فوق شرايني
كان الوطن معلّق
ألبسه يلبسني
أكتبه يكتبني
أقترب فيقتلني
يقطع كفي الوطن ويرسلها للعالم برقية....
ويعلقني فوق الحائط ملصقْ
فوق شرايني كان الوطن مُعلّقْ
والآنْ....
وذراعك ماسورة مدفع...
والنجمة تحلم أن تصبحَ
فوق ذراعك شامهْ
الآن لكل حمامهْ
طارت من صدرك يا " تل الزعتر "
أنا أقطع كفي
أرسلها"يا تل الزعتر"
برقية.
في هذا المشد الأخير من " تل الزعتر " يرسم الأبعاد الإنسانية عبر مجموعة من
الألفاظ ذات الأبعاد النفسية والتأثيرات الوجدانية، فيقف على مجموعة من الصور
الجزئية التي تبرز عمق الجريمة، وانعكاساتها، مع إبراز صور الصمود لهذا المخيم
في لفتة منه إلى أن المخيم لم يستسلم، بل تحدى، وواجه وقاتل، فأخذت النجوم تحلم
لأن تكون شامة على جبينه، إلى أن ينهي الشاعر الصورة بلوحة تضامنية من الشاعر
ومن كل فلسطيني من خلال اليد التي يرسلها تعبيراً عن هذا التلاحم، فالشاعر لم
يرى في الورقة، أو اللغة أي نوع من التعبير التضامني، فقطع اليد هي الصورة
الأقرب للتجربة، وكم كان موفقاً في هذه الصورة ذات الإيحاءات النفسية القوية،
والدلالات العميقة.
وفي إطار من أيدولوجية الفكر والحدث، تطالعنا القصيدة التالية لتظهر جزءاً من
هذه المأساة بكل أبعادها:
أكتب لكْ
وأنت الآتي بعدي
وأنا الآتي بعدك
جسدي في يدك كتاب
وأنا أكتب جسدي
كي تقرأ جسدك
اللغة الكيميائية، أو المعادلات تظهر في هذا المقام من أجل إظهار التوحد
والتلازم عن طريق الإنصهار داخل الآخر ليكون ذاتاً أُخرى، وهذا يدل على قرب
الشاعر من الواقع، وتأثره الشديد به، حتى ليكاد يكون نفسه الحدث، ومن هنا نجد
بأن أسلوب الشاعر يتميز بالعمق الفكري، وإن كان لا يخلو من رمزية شفافة، من
خلال فلسفته لبعض معطيات الفكرة.
أنت الصوت الآتي بعدي
وأنا الصوت الآتي بعدك
أكتب لك
أثار جنازير الدبابة
فوق الورقة
يعتقلون الآن
ألةَ رُونيو، برقيات القتلى
شجرة رمّان
وعصافير دمشق
تعبئ بالرمل حواصلها
يا أول قدّاس
أنا أعطي صوتي لكْ
اللغة هنا باعتبارها وسيلة للخلق والإبداع، يكرّسها الشاعر لإبراز تسلسل
الجريمة على أرض الواقع، وانعكاسات تلك الجريمة على نفسيته، ومن هنا تبرز لدينا
ملامح شخصية الشاعر في إبراز عمق الحدث، وانعكاساته السلبية على اللغة، خاصة
وأنه من المستحيل فصل الكلمة عن واقعها الذي تعبر بها عنه، والشحنات الإنفعالية
المصاحبة لهذا الحدث. فتصوير الجريمة جاء معبراً عن معطيات كثيرة، فمثلاً ساق
إلينا كلمة " جنازير الدبابة " التي توحي بقوة الدولة، وسطوة الأسلوب الذي مورس
على " تل الزعتر " لكونه فلسطيني فقط، وماذا بعد، إعتقالات، وقتلى، وتلك أيدٍ
آثمة لعبت دوراً في هذه المجزرة، أشار إليها الشاعر من طرف " عصافير دمشق
"ويتابع الشاعر تصوير الجريمة ليضيف إلى الصورة السابقة بعداً آخر:

أكتب لك يا كروانا في الشهر السادس
في يد - إيفا-
سقط وفي يده
للجرحى في تل الزعتر
شجرة قطن
يا كروان الماءْ
الآن جميع الشهداء
سفن " راسية" في تل الزعتر
أسلوب الصياغة في الأسطر السابقة يوحي بالتجربة، وكل كلمة ساقها في الأسلوب بكل
ما يتصل بها من دلالات وصور ومضمون وجه من التجربة، حيث نجد ألفاظاً جديدة لم
نعهدها " كروان، إيفا، شجرة قطن" وجميعها ذات مضامين تبرز تمازج الواقع مع
الحالة النفسية التي تعيش داخل وجدان الشاعر، وإن كان الشاعر أسقط هذه الحالة
شكلاً، إلا أن دلالاتها بارزة في المضمون، وربما يتجلى هذا بصورة أوضح من خلال
الأسطر التالية:
آه فلسطين
الدم يركض من شجر الحبر
إلى شجر الزيتون
حَذار فكل الأوراق
على شجر التين سكاكين
أكتب لك
والقنبلة الفارغة من البارود
محبرة يسبح فيها الدود
انتحروا بزجاجة حبر
وبيروت بعيدان الكبريت المحترقهْ
تكتب لشبابيك المدن رسالة
الآن النافذة المكسورة
تلد غزاله
تقترب من النافذة المكسورة
سمكة قرش
بيروت وحيده
والجرح وحيد
والشاعر يا بيروت وحيد
نرى هنا تأثير الواقع على الشاعر قد خلق الإحساس بالموقف الشعري من خلال
الصياغات ذات الأبعاد الإنسانية، عندما خرج الشاعر من دائرة " تل الزعتر" إلى
دائرة أوسع وأرحب، مستغلاً إمكاناته اللغوية، ومدلول الكلمات من خلال توظيفها
في مكانها، وما ربط مشاعر التوجع بفلسطين، إلا لإبراز عمق الكارثة، والفجيعة،
وما استخدامه للألفاظ ذات الدلالات الأليمة إلا ليقربنا من هذا الحدث.
فالقصيدة هنا بدأ يسيطر عليها إيقاع حزين، من خلال الألفاظ الدالة على هذا
الحزن، ذات الأثر الإنفعالي والنفسي العميق، لتولّد سيلاً من المشاعر
الإنسانية، فهو هنا بالإضافة إلى استعانته بالصور البلاغية لنقل هذه المشاعر،
إلا أن الإيقاع النفسي أكثر وقعاً في النفس، من تلك الصور التي ساقها إلينا،
لقد أراد أن يبرز إلينا شدّة المأساة فكانت تلك الألفاظ البعيدة الأثر في
النفس، والممزوجة بإنفعالات عميقة، حتى تحوّل كل ما هو طبيعي لشيئ عير طبيعي،
وهذا ما رأيناه في زجاجة الحبر، وشجر التين، والمحبرة، كل تلك الألفاظ ساهمت في
إبراز الكثير من الآلآم التي تسبب الجراحات العميقة. وهكذا يتابع رحلة المعاناة
بتلك القسوة، والألم من خلال التجسيدات التي ساقها إلينا في الأسطر التالية:
يا دمنا الآتي
من جرح الماء شواطي
من دمنا الذاهب
من شباك الأرض موانئ
مَن يكتب
لا يهرب
الدم لم يتعب
والدم لن يهرب
وسأبقى أكتب
الآن بتل الزعتر
كيس من رملٍ
يتزوج شجرة
أيتها الثورة
لك جسد الأرض.
هذه التركيبات التي ساقها الشاعر ليست منفصلة عن واقعها، بل هي صورة لهذا
الواقع بكل معطياته، وبكل أحزانه، وصورة للدماء التي سالت في " تل الزعتر "
لتتحول التركيبات إلى إشارات إنفعالية ترتبط برصيد هائل من الواقع، ومن الطبيعي
أن الشاعر لم يقصد فقط إثارة شعورنا، وأحاسيسنا بقدر ما يريد أن يظهر الواقع من
خلال هذه التركيبات العميقة، وبالتالي ابتعد عن الألفاظ المفصّحة ليبرز هذه
التجربة، حتى تستطيع أن تكون ذات تأثير عميق ومباشر، وهذا من الرؤية الصائبة
التي يتمتع بها الشاعر في مثل هذه المواقف.
ونتابع مع الشاعر فكره الأيدولوجي من خلال " تل الزعتر " وتحمل عنواناً له
مدلولاته، وإيحاءاته" مجنون تل الزعتر ":
ما دلّني
عليه، كنت فوق التل
ديوان شعر فوق كيس رملْ
وقد رأيتهُ
مُرصّعاً بالنار والجذور طارْ
مرصّعاً بالقمح والأحجارِ دارَ
دارْ
واستقر في مداره الجسدْ
التل قد صعد
والتقى النهران
الدم العريان والفم العريان
الصورة التي يرسمها الشاعر في هذه القصيدة أقرب إلى كونها لوحة كابوسية، ولا
أبالغ إذا اعتبرنا ما ذهب إليه الشاعر صحيحاً، بل ربما يتجاوز ذلك إلى أبعد من
أنها كابوسية، وقد صاحب هذا المعنى حشد من الألفاظ الدالة على هذا المعنى،
والمشبعة بالدلالات النفسية ذات الإحساس الكابوسي، حتى أن الشاعر أبرز مشاعره
بدقة من خلال هذه اللوحة.
ولا يقتصر الأمر على تلك اللوحة بل نجد بأن الشاعر ينقلنا إلى لوحة أخرى
مشابهة، وهذا يدل على التوحد في العاطفة، وإن تنوعت داخل النص كما نرى:
أيتها القصائد المحايدة
كيف يشطبون من سمائهم سحاب التل؟
كيف يشطبون من هوائهم دخان التل؟
كيف يشطبون من عيونهم نساء التل؟
سحابه لن يترك السماء
دخانه لن يترك الهواء
التل سوف يبقى في عيونهم يقيم
حتى ينفجر
لم تنفجر
من المحيط للخليج، لا يد ولا حجر.
ألا نلاحظ بأن الشاعر قد حشد الألفاظ ذات مخزون هائل من الدلالات الإنفعالية،
حيث نجد الكثير من المتداعيات والإيحاءات التي ترتبط باللفظة، وربما تكون
لفظة" يشطبون " تمثل عمقاً فكرياً ذات تأثير نفسي ممزوج بروائح التل المنبعثة
من الدخان.
ولقد توّج الشاعر تلك الإنفجارات النفسية بصورة تبدو تتعايش مع معطيات التجربة،
من خلال الصمود الذي أبرزه التل رغم ما واجهه من مصاعب، فالتل لم يستسلم، فما
حدث يمثل محورين متقابلين، هما التحدي والجبن، انتصار وتحدي للإرادة
الفلسطينية، وجبْن من الأعداء، لأنهم مارسوا كل أنواع العذابات النفسية
والجسدية، وجعلوا التل حقلاً للتجارب، بكل أنواع الأسلحة.
أيها التل العظيم هذي لحظة انتصارنا
فكلما تسافر السكين في رقابنا
تخرج الأشجار من أجسادنا
وتخرج النساء والأنهار من أحجارنا
وتسقط القصائد، الجرائد، العواصم، الخواتم المجففة
على كراسي الأرصفة
نحن ما قُتلنا
نحن قد زُرعنا
لا شك بأن الأثر الإنفعالي الذي يتركه القول الثاني ذا أثر كبير يفوق ما تركه
الأثر السابق، وهذا يعود إلى المعنى دون الألفاظ التي اعتمد عليها الشاعر،
فالأسطر التي ساقها، ما هي إلا وليدة حالة من الثورة التداخلة، مما جعل الشاعر
يبتعد عن حروف العطف في السطر الخامس، وهذا أعطى للنص بُعداً وعمقاً جديد يضاف
إلى ما تكتنزه القصيدة من معاني سامية، ولا نريد هنا أن نحمّل الصور التي ساقها
معاني الغموض، بقدر ما نريد أن نُظهر لغة حادة كالسكين التي تنحر في الرقاب.
وكعادة الشاعر في معظم قصائده، لابد وأن ينيرها ببعض الومضات ذات الأبعاد التي
تعلن التحدي والصمود، والقدرة على المواجهة والتحمّل، ومن هنا جاءت الأسطر
السابقة لتحمل لنا الكثير من المعاني المحملّة بوطنية روحية مصدرها الذات.
وينهي الشاعر قصيدته بما ابتدأ به النص، ليضعنا أمام مسؤلياتنا، في إضافة جديدة
لمعنى التكرار.
أما القصيدة التالية فتمثل رحلة الشهيد من خلال قصيدة تحمل " غزال صنين " ولقد
أراد الشاعر من هذا الترميز ذو المعنى المتميز، وبا توحيه لفظة الغزالة من
جمال، وسرعة، وهدوء، ولقد حاول الشاعر أن يربط هذا المعنى بصورة البطل الذي
يقدم إلى ميدان المعركة وهو محمّل بكل أنواع الأسلحة، ليواجه بها العدو، فينزل
إلى الخندق الذي يحتمي به، فيسقط شهيداً، وتسيل دماؤه على الأرض، ثم تبدأ رحلة
خارج نطاق الخندق تتمثل في الإعلان عن استشهاده بوسائل معينة، ثم صورة الجنازة،
إلى أن يفتحوا في الأرض سريراً يرقد فيه رقدته الأبدية، وهكذا يتجدد الموقف،
وتتجدد الصورة.
والشاعر لم يرد أن يظهر إلينا هذه الجزئيات التي ساقها إلينا، من خلال تفتيت
العناصر، بقدر ما أراد أن يبرز صورة من المعاناة الشديدة من خلال قتال مفروض
عليه، وليس له أي انعكاس إيجابي في مسيرة حياته النضالية، إنه إذن يرسم لنا
واقعاً مؤلماً من خلال منحى لا إنساني يمارس على هذا الشعب، حتى في منفاه
القصري.
وإضافة إلى ما سبق، فإن الإيقاع النفسي الحزين سيطر على الأسطر الشعرية، من
خلال التفعيلة، والدفقات الشعورية القصيرة، إضافة إلى الحروف ذات الإيقاع
الخفيف والساكنة، فابتعد عن الجهر بالكلمات والألفاظ الإنفجارية، ونسوق هنا تلك
القصيدة:
الكورس:
استشهد الماء ولم يزل يقاتل الندى
استشهد الصوت ولم يزل يقاتل الصدى
وأنت بين الماء والندى
وأنت بين الصوت والصدى
فراشة تطير حتى آخر المدى
يذهب للخندق
يترك دمه
ويعود إلى الحائط ملصق
يذهب للخندق
بالصدف وبالعشب مُزوّق
تنتظر الصورة في النافذة
وتنتظر المطبعة الصورة
قصّوا الورق، وعجنوا الألوان
الصورة في المطبعة الآن
غزال محمول من صنين
إلى الحائط ملصق
يذهب للخندق
بالزلف وبالزنبق
الكفُّ مزوّقة والصدر مُزوّق
والإسم :أبو خالد
ذهب وفي يده لون واحد
ذهب وفي فمه صوت واحد
فلماذا طبعوه بالألوان الآن؟؟
الآن
لقد أضاء الشاعر النص من خلال اسم الشهيد" أبو خالد" وبغض النظر كانت القصيدة
إلى هذا الصديق، أم كانت تمثل رمزاً لكل الشهداء الذين يسقطون في خنادق الجهاد،
فهي تمثل اسثارة لكل عواطفنا، من أجل إيقاظ الوعي القومي لدينا كأمة عربية.
ويتابع الشاعر تفتيت العناصر التي تناولناها، دون أن تفقد القصيدة وحدتها
المتماسكة، وما لجوء الشاعر إلى هذا الشكل إلا لتتبع هذا الواقع الحقيقي،
النابع من تجربة واقعية بعيدة عن الخيال أو التخيّل:
من دمه من فمه يتكلم
من دمه ومن فمه فليتكلم
صار الشهداء هم الشعراء
يذهب للماء
غزال الماء
يذهب يذهب يترك يده فوق الماء
زجاجة
ويعود إلى الحائط ملصق
ويكرر الشاعر الصورة مرًة ثانية، لكن من خلال مشهد أخر جديد، وكيف تحوًل هذا
الشهيد إلى صورة تُعلّق في شوارع المدينة، لتعلن من جديد استشهاد مناضل آخر،
وتتوالى الصور، وتوضع فوق بعضها، ولكن إلى متى؟
يذهب للخندق
ها هم فتحوا في الأرض سريراً
والنجار يدق أصابعنا
في الصندوق مساميرا
ومكبر صوت ينتظر على العربة
خرج غزال محمول فوق الخشبة
صفارة عربة إسعاف
خرج المجداف
محمولاً فوق الأكتاف
نزل المركب
انطلق الموكب
كان له لون واحد
كان له صوت واحد
فلماذا طبعوه بالألوان الآن؟
وهكذا تتجدد الصورة، وبنفس الشكل من خلال ضيف جديد:
يذهب للخندق
ضيف آخر يا بيت الشهداء
الشهداء الجدد على مائدة الشهداء القدماء
الملصق فوق الملصق
فوق الملصق
فوق الملصق
لو أحرقت الصورة
سوف تصير قديماً فوق الحائط
فالآن المطبعة تدور
وغزال آخر
يمشي والألوان تغطيه
إلى الحائط ملصق
لقد اعتمد الشاعر في تلك القصيدة على عنصر واحد، وهو مزج التعبير بالإنفعال من
خلال موسيقى ذات أبعاد حزينة قائمة على توالي التراكيب التي تنبعث منها روائح
الدم، وحالة من تكرار الموقف، وإذا كان الشاعر قد أضاف إلى التكرار" فوق
الملصق" معنى موسيقياً، فإن البعد النفسي كان أقوى تأثيراً من هذا البعد
الموسيقي، فقد أراد أن يبرز كثرة عدد الشهداء، فتمازج هذا المعنى مع
المعنىالدلالي للتكرا، وهذا إبداع في لغة الشاعر تحسب له.
وننتقل إلى قصيدة أخرى بعنوان " بيروت أصبحت بعيدة " حيث يتناول فيها رحلته
للوصول للمطار، وكيف كانت الطريق آمنة، وهي من الألفاظ التي كانت شائعة في تلك
الفترة، حيث شهد محيط المطار قتالاً شديداً في محاولة للسيطرة على بوابة
المدينة، وها هو الشاعر يستعد للسفر، فالأخبار تقول بأن الطرق آمنة، وتبدأ
الرحلة، فيغادرها إعلى متن طائة غير لبنانية، متجهاً إلى مكان أكثر أمناً من
هذا المكان، والشاعر أراد أن يظهر هنا حالة عدم الإستقرار التي صاحبت الحرب
التي كانت دائرة، وما صاحبها من هجرة بالجو والبحر إلى مناطق ربما تكون أكثر
أمنا، وقبل أن يغادرنا الشاعر بجسده فقد نقل إلينا واقعاً أليماً عبر مدلولات
الكلمات التي تنبئ بنذير رؤية سوداوية للمدينة، فلا يرحل أو يرتحل الإنسان من
وطنه إلا إذا شعر بسوء مصير يمكن أن يلحق الوطن:
" الشاعر السعيد " في المطار
" والقارىء السعيد " في المطار
والطريق للمطار آمنة
والطائرة
لم تكن مواطنة
وليس كيس الرمل وحده
هو البطل؟
وهذه بيروت
لا تحيا ولا تموت بين جنتين تكتب الجريدة
وبين جنتين تطبع الجريدة
وبين جنتين تقرأ الجريدة
- والشاعر السعيد - في انتظار الطائرة
- والقارىء السعيد - في انتظار الباخرة
وليس كيس الرمل وحده
هو البطل؟
وهذه بيروت
وراء حائط تحيا
وراء حائط تموت.....
يعيش الشاعر حالة الفراق من خلال تلك المعاني التي تبرز حالة من اللاوعي
المنتشر في الجسد والفكر على السواء، مكابدة من الصورة، وحياة بدون موت، وموت
بدون حياة، وثورة داخلية تنسل بين المعاني التي ساقها، في محاولة منه ليحيا
الحياة مهما كانت، فهو كما نرى يظهر بأن الحواجز التي كانت منتشرة هنا وهناك هي
سيدة الموقف، فلا حياة مستقرة، وإنما موت مفاجئ يأتيك من حيث لا تدري، فنحن
أمام حالة من الفوضى، نتج عنها فوضى في تبعثر المعاني والأفكار.
ويصعد الشاعر الطائرة، وتبتعد الطائرة حاملة معها كل الهموم والمرارة التي
تنسكب على الورق بصورة تجعل فكر الإنسان غير مستقر:
على ارتفاع ألف قد كتبوا
بيروت تبتعد
على ارتفاع ألف مترٍ اقرأوا
بيروت تبتعد
كتابة سعيدة
قراءة سعيدة
بيروت أصبحت بعيدة
بيروت أصبحت بعيدة
الأسطر السابقة تحمل الكثير من المعاني الموحية، وقد كان لموسيقى تكرار الجملة
أثر في بلورة هذه الإيحاءات، حيث عبّرت بالإضافة إلى المعنى الذي ساقه عن ألم
يعتصر وجدانه، ليس بسبب البعد عن المدينة، بقدر ما هو يعيش حالة من الحزن على
المدينة، حيث كانت تمثّل بالنسبة إليه وجوده.
والشاعر هنا خرج عن دائرته التي يعيشها إلى دائرة أرحب واوسع، لتشمل معنى
إنسانياً، وهذا راجع إلى أن دفقاته الشعورية التي عبّرت عن المعنى اكتنزت
الكثير من المعاني ذات الأبعاد الإنسانية، فكل إنسان يمكن أن يعيش هذه الحالة
بكل أبعادها وأمالها، وآلامها.
ونتابع مع الشاعر ذو الفكر الأيدولوجي حول بيروت، وتل الزعتر، مع قصيدة عنونها"
قصيدة إلى جدران بيروت" حيث يجسّد لوحة من التضامن عبر معاني هذه القصيدة، بين
الشعبين، إضافة إلى إبراز عمق المعاناة التي أفروتها تلك الحرب الملعونة في زمن
الطيش العربي الصامت:
هنا متراسنا هنا
وهذه الطيور في سمائكم
أطفالكم أطفالنا
رفاقنا:
نقسّم الرصاص في حواصيل الطيور
بينكم وبيننا
حبّات قمح
حبّة لكم، وحبّة لنا
متراسنا هنا،
نقصّ بالأصابع المنديل فوق جرحنا
قطعة لجرحكم
وقطعة لجرحنا
وإذا كانت تلك الأسطر تحمل الكثير من المعاني التضامنية القائمة على الشراكة
الحقيقية في وقت المحن، فإنها أيضاً تحقق الصورة النفسية الحقيقية التي تموج
بالكثير من التماوجات المختلفة من خلال الجمل الشعرية، التي تحققت والمعاني
الإنسانية القائمة على المحبة، ومعاني نفسية قائمة على العبارة وصياغتها في
فترة من أصعب الفترات، وبالتالي تحققت لنا صورة التوحد بين اللفظ والمعنى،
والفكرة والوجدان، وربما تكون الأسطر التالية قادرة على اختراق حاجز الزمان
ليقطع من خلالها كل ما يفرق بين الشعوب، ليتمثل التوحد في الجسد، بل إلى أدق من
ذلك:
شريانكم على شرياننا
جناحكم على جناحنا
جذوركم على جذورنا
ملتفة أغصانكم على أغصاننا
وهذه الطيور في سمائكم
أطفالكم، أطفالنا
نقسّم الرصاص في حواصل الطيور
بينكم وبيننا
حبّات قمح
حبّة لكم وحبّة لنا......
لقد استطاع الشاعر من خلال الصور الشعرية الوجدانية أن يبرز المعاني النبيلة
التي كان الشعبان يعيشها على أرض الواقع، فاستطاعت هذه الصور أن تكون جزءاً من
الواقع، وجزءاً من مكونات الشاعر النفسية، باعتبارها ترجمة لمظاهر عامة كان
يعيشها الشعبان الفلسطيني واللبناني. وقد ختم الشاعر القصيدة بدفقة شعورية تعكس
إصراراً على التحدي رغم ما حصل:
ولن يمرّ من هنا القراصنة
أما القصيدة التالية فتحمل عنواناً يعكس واقعاً مأساويا، لكن الشاعر يحاول
التخفيف من هذا التشاؤم من خلال لفظة" غزلان"، فيقول في قصيدة" غزلان تركض نحو
الشمس" حيث يلقي الشاعر الضوء فيها على الصورة المعتمة التي سادت تلك الفترة،
والتداخلات العشوائية التي حدثت، مع تضارب الأخبار، وتنوّع أساليب المواجهة
سواء بالكلمة أو بغيرها :
فنجان القهوة ساخن
والقتلة يصحون على الحبر الساخن
والورق الساخن
"ها أرتس"، " الأهرام " " العمل "
ثلاث جرائد
تكتب بلغات ثلاثِ رصاصات
وثلاثة أطفال كانوا يمشون
جرائدهم في أيديهم
كانت بيروت في أيديهم
تنفجر ثلاث سنابل
وثلاث قصائد
الشاعر هنا ينقل لنا صورة الواقع الأليم من خلال واقع خارجي يحمل بين ثناياه
الكثير من الدلالات التي ترسم بالرصاص والدم أمال معتمة، ونهايات غير إنسانية
بعيدة عن القيم النبيلة التي يجب أن تكون عليها الأوضاع.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


ريانيه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-14-2005, 10:24 PM   رقم المشاركة : 2
معلومات العضو
ريانيه
 عضو متقدم 
 
الصورة الرمزية ريانيه

 

إحصائية العضو












افتراضي


 

من قنّاص في القاهرة
إلى قنّاص في بيروت
السابعة مساءً، تسقط بيروت
امرأة تذبح بالمشط
وتبتلع المرأة اصبعها
غزلان يركض نحو الشمس
الشاعر يصور الواقع بألم وحزن عميقين، فهذه بيروت تسقط بين أيدى الغزاة،
فتتسابق الإذاعات لتعلن خبر سقوط المدينة، وتتحول المدينة إلى حالة صورة من
الموت والذعر.
العاشرة صباحا تسقط بيروت
السمكة تبحر فوق الموج الصدف
وتطعم أطفال الحمالين
بمدفأة بيروت
لم تسقط بيروت
الخامسة مساء، تسقط بيروت
الرابعة
الثالثة
الثانية
الواحدة
ومازالت بيروت
تلد رغيفاً من يدها
وزجاجة حبر وجريدة حائط
الحالة الضبابية التي تسيطر على الأوضاع جزء من الموقف العام الذي عاشته
المدينة لحظة الهجوم عليها، وشاعرنا يصّور هذا الموقف الذي لا ينتمي إلى
الإنسانية ليبرز من خلاله الوجه الحقيقي للعدو.
من كل جهات الأرض
من " تل الزعتر " من " سن الفيل "
من " النبعه والدكوانه "
من " فرن الشباك " و " الشياح "
ومن عين الرمانه
الآن تعالوا، وبلا أسماء
هذي هي " روزا "
هذا هو " يونس "
لا أسلاك شائكة تفصل بينهما
لا كيس رمل
لا خط للطول
ولا خط للعرض
هذي هي " روزا "
وهذا هو " يونس "
هذا هو خيط الدم
يصل الفم بالفم
ينقل إلينا الشاعر الصورة الحقيقية التي تجمع بين أبناء الوطن الواحد من خلال
شخصية " روزا "، و" يونس " حيث لا حواجز بين الطائفتين، وكلهم في خندق واحد ضد
المحتل، فقد أظهر العلاقة أيضاً من خلال المدن والقرى والمخيمات بأنهم يمثلون
الشعب الواحد، داخل الوطن الواحد، حيث هناك الكثير من العلاقات التي تربط بين
الطائفتين ولا أحد يمكنه أن يعكر صفوها.
ونقف مع الشاعر وقصيدة" دائرة الطباشير الفلسطينية" ورغم ما تحمله القصيدة من
إيحاء ورمز، إلا أن رمزها واضح، ويعبر عن التمرد:
للشعراء
لون الشعر، وللشهداء
لون فراش البحر
وللعشاق الباكين على قطرة ماء
لون طيور الماء
وللقتلة لون الخوذات البيضاء
ولون الأحذية البيضاء
ولون الدبابات البيضاء
يا - أم علي -
يا أم ثلاثة شهداء
ماذا تفعل شجرة وردٍ حمراء
في زمن الجدران البيضاء
اللون الرمادي هو الذي يسيطر على الألفاظ رغم تكرار كلمة البيضاء تحقيراً ثلاث
مرّات، وهذا إيحاء بحالة من الضبابية التي تكتنف وجدان الشاعر وفكره مما انعكس
على الألفاظ، وصولاً إلى صورة أم الشهيد التي قدّمت ثلاثة شهداء.
وترتفع نبرة الألفاظ في الأسطر التالية:
أيتها العذراء
كل القوادين اجتمعوا
فوق سرير فراشة ماء
كل القوادين اجتمعوا
فوق قبور الشهداء
يا زمن القوادين
الشاعر ساخط ومتمرد، وما اللفاظ التي ساقها إلا تعبيراً عن السخط العام، ومن
هنا جاءت لغته حادة غير معهودة ولا مسبوقة، حتى رأينا أن كلمة " القوادين "
تكررت أربع مرّات في معرض القصيدة.
ولكن الشاعر وضع تصوراً يكاد يكون الصورة الحقيقية للمستقبل، وتتضمن الآتي:
أيتها الخوذات البيضاء حذارْ
من طفل نبتت بين أصابعه النارْ
من طفل يكتب فوق جدار
يكتب بعض الأحجار
وبعض الأشجار
وبعض الأشعار
التحذير الذي يطلقه الشاعر نابع من مأساة هذا الطفل، لأنه عانى من ظلم الواقع،
وظلم الظروف المحيطة به، لهذا علينا ألا نفاجئ في المستقبل بهذا الطفل الذي
سيكون له شأن كبير في الحياة.
الكرمل سافر
والقسطل سافر
يا عبد القادر
يسقط الآف الشهداء
لكي يكتب حجر أو طائر
إن الأرض هي الضيف
على مائدة الشاعر
يرتكز الشاعر في هذا المقطع على التراث من خلال البطل عبد القادر الحسيني،
ويقدّم له نبذة عن الواقع، ورغم ذلك ستبقى الأرض هي المرتكز في بنية القصيدة
الموضوعية لكل الشعراء، ولكن لماذا يلجأ الشاعر إلى التراث؟ هل الواقع المأساوي
وصل بالشاعر إلى عدم قدرة أحد على مواجهته والتصدي له؟ إن الشاعر عندما يلتجئ
إلى التراث يتخذه معبراً للحاضر، وباعثاً من أجل بعث الهمم في النفوس.
ونصل إلى نهاية القصيدة، حيث يكرر صورة _أم علي:
يا - أم علي-
لو تبقى فوق الجدران البيضاء
لو تبقى فوق الأرصفة
قصيدة ماء
لو تبقى أسماء ثلاثة شهداء
فوق الحائط
لابد وأن تنسف كل الأسماء
فوق سرير جميع الأنظمة البيضاء
الشاعر كما نرى يدرك معنى الحياة الكريمة، وقيمة الإنسان فيها، وما ثورته
العارمة التي طالت كل شيء إلا لدليل قاطع على حبه للحياة، وكرهه لكل مظاهر
الظلم الإجتماعي والسياسي والقهري، فقد أظهر كما رأينا دعوته إلى المحبة من
خلال البعد الإنساني الذي برز من القصيدة.
والقصيدة التالية احتلت مساحة واضحة من الديوان، واحتل مضمونها جزءاً من تفكير
الشاعر، ولا أبالغ إذا قلنا بانه ناقم إلى درجة كبيرة:
ما الذي يكتبه الشاعر في الأرض الخراب
آه يا عصر الكلاب
كلما تحبل كفي بمناديل التراب
الجواسيس الكبار
سلموني للجواسيس الصغار
يا دمي المفتوح كالشباك في كل جدار
أيها الكيس من الرمل حذار
المتاريس التي أصبحت
صارت ملصقات
لا أعرف سببا لهذا التشاؤم سوى أن التأثيرات الخارجية على الشاعر من خلال
الواقع الذي أصاب الجميع ، كانت أقوى من الإحتمال، فهذه الأرض تحوّلت إلى خراب،
وماذا يمكن للشاعر أن يقول في هذا المقام؟ " آه يا عصر الكلاب " لوعة وتألم
وحزن وموت على مراحل، وموت آخر من النوع السريع، وألوان شتى من العذابات، ولكن
هل هناك مجيب لهذه الصراخات.
أبعدي عن وجهي الشمعة
ذاب الشمع غطّاني
وما غطى فمي
أبعدي عن وجهي الموجه
وما غطى دمي
آه أعطني قطرة حبر واتركني
للسكاكين التي تعرف عنوان عيوني
في هذه الأسطر يرسم الشاعر صورة للواقع، بما يحمل من ظلم واستبداد بأسلوب سهل
بسيط فيه الكثير من السخرية التي تحمل في مضمونها معنى المرارة والسخط، مما
يدعو في لحظة من اللحظات إلى النفور والإشمئزاز، فهذا الواقع الذي يعكس صورة
أكثر إيلاماً لهذا الواقع، نابع من الظروف العامة التي تحيط بالأمة العربية.
ثم يتابع الشاعر الصورة، ولكننا سنجد موقفاً أكثر وضوحاً :
يا أيها المركب واقف
أنا ما خبأت كفي بين أورق السحاب
وأنا الشاعر... ديواني التراب
آه لو كنتم معي
كانت الزهرة شقّت أضلعي
وكبرنا في المتاريس
وصرنا شمعدان السنبلة
وغدونا المرحلة
إنني أعرف جدران العواصم في الأصبع
يا آخر خاتم
الخنازير تهاجم
والعصافير تقاوم
إن سيطرة الأسايب البلاغية والجمل الإسمية في النص، دليل عل أن الشاعر ينقل
إلينا أخباراً صادقة، وظفها الشاعر من خلال عاطفته النابعة من مشاعر فياضة،
وأفكار ترتكز إلى الواقع، ألا نلاحظ قوله" واقف، خبأت، أدفن، شهيدا،
التراب،..." ألفاظ ذات معاني موحية تبعث في النفس الألم، وتقتل روح الحب في
الذات الإنسانية.
اتبعيني يا قبور الشهداء
اتبعيني يا قوافي الشعراء
اتبعيني كالطوابع
اتبعيني لم أزل أحفر في كفي الخنادق
خمسة أفعال متتالية، ورغم تكرارها إلا أن لكل فعل ما يوحيه من معنى، وذاتية
خاصة، فكل فعل يحمل الكثير من الدلالات النفسية والتي خلقت في النص رؤية خاصة
به.
وننتقل مع الشاعر إلى لوحة جديدة من لوحاته المؤثرة والتي جعلتنا نعيش هذا
التمرد:
ما الذي تفعله الأرض
إذا غاب المغنيّ؟
وتأتي الإجابة سريعا من خلال الأسطر التالية:
يذهب العصفور من غصن إلى غصن
تاركاً عوداً من القش وتبقى الكلمات
آه يا عصر المتاريس
وعصر الملصقات
إنها صورة من صور الحياة التي كانت سائدة، ونبض كان متجدداً في بيروت بأكملها
من الشمال إلى الجنوب، لنصل إلى نهاية القصيدة فيقول:
مَنْ ترى يمشي ويستقبل وجه المقصلة
من تُرى يرفع أمواج البحار المقبلة؟
إن التعبير الصريح الذي جاء به الشاعر نابع من عمق الجرح المخزون في ذات
الشاعر، ولهذا رأيناه يطلق العنان لنفسه من خلال تجزءة الأفكار ليتخلص من
الحالة التي تعتور وجدانه.
وننتقل إلىقصيدة بعنوان " الأرض " حيث تمثل بالنسبة للشاعر منطلقاً جديداً من
خلال المضامين الجديدة التي تبرز في الأسطر التالية:
الشاعر قسّم قصيدة الأرض إلى ست لوحات نابضة، ومتحركة:
تفاجئني الأرض، أن الشجر
يخبئ أسلحة، والقمر
يقوم بطبع المناشير
يا نجمة في الجليل
ويا تينة في الخليل
تخبئ( باجس بين الفروع
تخبئ مطبعة بين ضلوعي
ويا شجر السرو في القدس
تمشي المناشير
تمشي العصافير
تمشي الشوارع
تمشي المطابع
تمشي النوافذ فوق جفوني
حروفاً جديدة
وبيني وبين أريحا قصيده
ونابلس تطبع كفي جريده
في هذه الأسطر التي اعتمد فيها الشاعر على التفعيلة، نجده رقيق العاطفة، وقوي
في معناها، فهو إنساني كما نرى في ألفاظه، يحمل في ذاته مرارة شديدة، تمتد
خيوطها إلى كل شيء في الحياة، بدءاً من الأرض وصولاً إلى السماء، عندما يتعامل
مع الأرض يجدها أكثر حنواً على الفلسطيني، ومن هنا وجدنا القمريسهم في مقاومة
المحتل، وأشجار الوطن من تين وسرو وغيرها تساهم بشكل أو بآخر في عمل إنساني
للفلسطيني في مواجهة المحتل. وإذا كان هدف الشاعر أبعد من هذا، فإنه يريد أن
يصل إلى حقيقة مهمة، تتمحور حول الأرض ورفضها لكل الأجسام الغريبة عليها، وتقوم
بدور فاعل في مناهضة المحتل.
ولقد أضاء الشاعر تلك الأسطر بذكره للمدن الفلسطينة الرئيسة التي تمثل تاريخاً
وحضارة بالنسبة لأهلها.
لقد أراد الشاعر أن يحدث الأثر الإنفعالي في النص من خلال الأفعال التكررة أو
الأفعال المتنوعة، وهذا بطبيعة الحال يثرى الفكرة، ويمنح النص الديمومة والقوة،
ورغم استعمال الشاعر الأسلوب البسيط من خلال الألفاظ ذات الإيحاءات والدلالات
الإنسانية لتقف جميعها في خدمة النص.
هذه الرموز التي تناولها الشاعر لا يمكنها أن تضيء في النص ما لم تأخذ مكانها
الطبيعي لخدمة الفكرة، ومن هنا نجد التوظيف السليم لهذه الألفاظ.
الشاعر هنا يعالج قضية أساسية في الحياة من خلال الأرض، وكيف لها أن تساهم في
معالجة قضية مهمة تنتمي إلى الذات، ومن هنا جاء الدور الإيجابي للأرض من جلال
مساعدتها للفلسطيني في المواجهة بطريقتها الخاصة.
أما اللوحة الثانية فترتكز على مفاجأة أخرى:
تفاجئني الأرض، إن الحجارة
تقاتل والأنظمة
بنادقها ملجّمة
تفاجئني الأرض
إن أكفّ الصبايا مرايا
وكف الشهيد بحجم السماء.
ينتقل الشاعر إلى نقطة مهمة كان لها ومازال دور مهم في مقاومة الإحتلال
الإسرائيلي، تتمثل في الحجارة، وما توحيه من دلالات نفسية لها تأثيرها في
العدو، وتأثيرها في المجتمع الفلسطيني بصورة عامة فالحجارة هنا صورة من صور
الوطن، وصورة حقيقية من تمردها على من يعيث في أرض الوطن فسادا، وفي الصورة
المقابلة، نجد بنادق الأنظمة العربية كما يقول الشاعر قد تلجّمت، فأراد من خلال
طرف خفي، أن يبرز التخاذل الذي أصاب الأمة العربية، وحياة المهانة، فالأسلحة
مخبأة فقط لمقاومة الشعوب، وممنوع عليها مقاتلة المحتل! ففي أي عصر نحن نعيش؟
هذه الأسطر التي ساقها الشاعر تحمل همّا من هموم كل الشعراء المعاصرين، نتيجة
الصمت إذاء ما يحدث، وكأن الشعب الفلسطيني مندوباً عن الأمة العربية في قتاله
للعدو الإسرائيلي، أو كأنه الوحيد الذي يجب أن يدفع فاتورة أخطاء بعض الأنظمة
العربية، هكذا يرى الشاعر.
وننتقل إلى مفاجئة جديدة، فماذا تحمل لنا الأرض:
تفاجئني الأرض
يا وردة في كتاب
سلام التراب
معلمة الأنبياء القراءة
معلمة الأنبياء الكتابه
سلام التراب، سلام السحابه
تمرّ الطيور الليالي
ويبقى فراش الدوالي
ولا يضرم النار في الذاكرة
وتبقى المتاريس في الناصره.
لقد استعان الشاعر كما رأينا بعبارتين ذات مدلول نفسي كبير، فقد استنطق الأرض
من خلال " معلمة الأنبياء القراءة والكتابة " وما ذكره الأنبياء إلا لما توحيه
من مضامين عقائدية كاملة، وخاصة الدين الإسلامي، والمسيحي، فهذه الأرض شهدت
للأنبياء من خلال رحلة السماء، ومن خلال المسيح عليه السلام، وما بباطنها من
أنبياء مدفونين، كل هذا كان له أثره في تقوية المعنى من خلال رؤية تراثية
إنسانية .
تفاجئني الأرض
هذي أصابع كفي
أقلام مدرسة في رفح
وألوان طفل على شط غزه
يرسم عكا
ويرسم في كفّه الكرملا
ويرسم في كفّه القسطلا
ويعلن إضرابه الأولا
الإحتلال الإسرائيلي للمدن الفلسطينية لم يلف الهوية الفلسطيني، فها هو الإضراب
العام جاب المدن من رفح جنوباً، حتى الناصرة شمالاً، مروراً بكل المدن من غربها
إلىشرقها، ليعلن الجسم الواحد لا يمكن تجزءته، ولتنظروا إلى أطفال فلسطين ماذا
يرسمون وماذا يقولون، وكيف يتصرفون؟
وتفاجئ الشاعر الأرض من خلال اللوحة الخامسة، منطلقاً من الجنوب إلى الشمال
اللبناني، رابطاً ذلك بفلسطين الأرض والشعب:
تفاجئني الأرض
هذه أصابع كفي
أقلام مدرسة في الجنوب
وأقلام مدرسة في الجبل
ولبنان يكتب
لبنان يرسم
ولبنان في يده القنبلة
ولبنان يطحن قمحاً جديداً
ولبنان يعجن خبزاً جديدا
ولبنان يطعم أرضاً جديده
وبيني وبين أريحا قصيده
ونابلس تطبع كفي جريده
في هذه الأسطر يتجلى الحب الإنساني والعلاقة الحميمة بين الشعبين الفلسطيني
واللبناني، حيث يحاول الشاعر أن يرسمه من خلال ريشة الفنان، ومن خلال التلاحم
وقت الشدّة، وقد استعان الشاعر في إبراز العلاقة بذكره للمناطق القريبة من
الأراضي الفلسطينية، ومتخذاً من لبنان مرتكزاً في إبراز ما كان من صراع، وفي
نفس الوقت فإن عجلة الحياة لم تتوقف.
ثم تفاجىء الشاعر الأرض مرّة سادسة:
تفاجئني الأرض
طفل على كفّ غزه
يرسم أرزه
ويا شجر السرو في القدس
تمشي العصافير فوق الغصون
وتعلن إضرابها الأولا
وتمشي المناشير فوق الغصون
وتعلن إضرابها الأولا
.......................
صورة متكررة، لكنه في هذا المقام منحنا من خلال زاوية جديدة فكرة متجددة، كي لا
يكون هذا مأخذا عليه، ورغم هذا التكرار، إلا أنها تتضمن صورة من صور التضامن
بين أبناء الوطن العربي، أو بين الشعبين اللبناني والفلسطيني كما ذكرنا، لدليل
قاطع على أن بناء الحياة بين الشعوب يجب أن يكون بهذه الطريقة.
ونصل إلى نهاية القصيدة، التي تحمل الكثير من الدلالات التي تعكس الواقع:
أحمل كتبي وأمشي
أحمل أقلام طفلي وأمشي
أحمل صورة أهلي وأمشي
أحمل صورة بيتي وأمشي
وأمشي
وأمشي.....
وأمشي......
وأتلو بلاغ الشجرة
وأتلو بلاغ الحجر
وأتلو بلاغ القمر
وأتلو بلاغ المتاريس
في كل شارع........
كأن الشاعر يسير في مظاهرة احتجاج، أو كأنه ينقل إلينا مشهداً مرئياً من خلال
الصور المتلاحقة التي أتبعها بالفعل " أمشي " ورغم أن الشاعر بعيداً عن المكان،
إلا أنه ويعيش الزمان ويتفاع معه بكل جوارحه، ولهذا كان الرصد الجيد لموقع
الحدث من خلال توظيف الرؤية و تحويلها إلى لغة منطوقة تعبر عن الحدث.
الشاعر كما رأينا ملتزم إلى حد النخاع، وقادر على توظيف الكلمة من خلال الحدث
بصورة يكون لها تأثيرها في المتلقي، وهذا كما رأينا نابع من إمكاناته اللغوية
الثرة التي يتمتع بها، إضافة إلى مشاعره الفياضة، وأحاسيسة الجياشة، وتفاعله
التام مع الحدث.
وننتقل إلى القصيدة التي تذكرنا باستشهاد المناضل الفلسطيني " علي حسن سلامه"
الذي استشهد في السبعينيات بطريقة غادرة من قِبل عملاء المخابرات الإسرائيلية
في أحد شارع الكورنيش ببيروت:
آه يا حبيبي
شمعدان يرتدي قميصه البنفسجي
يلف نافورة فوق عنقه
يبدأ الشاعر القصيدة بالتوجع، ومناجاة له، تعبيراً عما كان بينهما من علاقة
حميمة، ثم يعقبه بتشبيه في غاية من البلاغة، وتعبيراً عما حدث له لحظة الهجوم
الغادر عليه.
ويمضي في تمام الساعة الرابعة
كانت الشبابيك ترتدي الأقنعة
لم تكن أصابع كفيه
ينابيع
كما كان في الساعة الرابعة
ساعة الصفر التي تم توقيت السيارة التي أودت بحياته كانت الساعة الرابعة، وكل
سيء في المدينة هادئ، هذا المشهد الذي ينقله إلينا نابع من حالة الأسى والمرار
التي تسيطر على وجدان الشاعر، ثمّ يكرر هذا التوقيت في المقاطع التالية، وكأن
الدنيا انتهت عند هذا الحد!:
سليل شجر السرو والنتاريس
لم يكن صولجان أمة
لم يكن نخلة تهزها يمامة حُبلى
كما كان في الساعة الرابعة
وفي هذا المقطع يسلسل الشاعر شخصية الشهيد بأنه ينتسب إلى بيت المقدس من خلال
ما أوحى به من لفظ، واضعاً صورته في هذه الساعة" الرابعة " لقد كان في هذا
التوقيت شامخاً ومتحدياً رغم ما حدث له. هذه الصور التي يسوقها الشاعر ناتجة
أولاً : عن العلاقة التي يرتبط الشاعر بها مع الشهيد، وثانيا: تخليد صورة
الشهيد.
لم يكن مدججاً بحفيف الغصون
مرصعاً بالعصافير
لم يكن جميلاً وحزيناً وعاشقاً
كما كان في الساعة الرابعة
هكذا رؤية الشاعر للشهيد، فقد ساق إلينا الألفاظ ذات الدلالات التي تظهر كيف
كان الشهيد لحظة استشهاده، وكيف فارق الحياة، وكيف كان يعيش في حياته، هذه
دلالات على عمق الروابط التي كانت بينهما، لدرجة أنها فاقت علاقة الأخوة.
في الساعة الرابعة
كان قصيدة من الأصداف
كان رغيفاً فوق موجة وسمكة
كان منديل ياسمين
فوق وجه معركه
غزالة تقرع الأجراس
لقد استخدم الشاعر هنا الفعل الناسخ " كان " مكرراً ثلاث مرات ليبرز كيف كان في
الساعة الرابعة، وهي ساعة مقتله، هذه التشبيهات التي ساقها تبرز كيف كان عليه
الوضع في الساعة المذكورة.
في الساعة الرابعة
انفجرت فراشة في مطبعة
آه يا حبيبي
كل يوم يذبحون هدهداً على جبيني
كبش من الزنبق
والقرنفل الأزرق
يمشي بالخلاخيل إلى السكين
قصيدة تركض بالمجاديف
إلى الطاحون
آه يا حبيبي
طائر يمشي على جفوني
آه يا فلسطيني
آه أيها الأمير الفلسطيني
ويبلغ الأسى مداه، والتوجع شدّته من خلال صور التوجع التي ساقها إلينا في
المقطع الأخير من القصيدة، وقد حاول الشاعر الهروب من هذا، لكن الواقع وتأثير
الحدث على نفسه أقوى من أن يجد مخرجاً من هذا الواقع، لهذا نجده كرر صورة
التوجع أكثر من مرّة ليظهر لنا كم يعاني الفلسطيني حتى في حياته.
هذه القصيدة الإنسانية التي خرجت من دائرة الذاتية تظهر صورة العلاقة بين
الناس، وكيف لها أن تكون، فإيمان الشاعر بهذه العلاقة بين البشر، جعله يصوّر
الشهيد بالأمير الفلسطيني، وبعيداً عن المكانة العسكرية التي كان عليها في
حياته، وما لها من تأثير في نفسية الشاعر، فقد أوضحت الأسطر السابقة مكانته
الحقيقية في النفوس، فالشاعر ينقل إلينا من خلال ذاته مشاعر وأحاسيس الشعب
الفلسطيني.
وهكذا استطعنا أن نرى بأن مدلول الكلمات والألفاظ التي ساقها إلينا الشاعر
تتغير وفق ما يوظفها الشاعر حتى وإن تكررت الكلمة، لأنها تؤدي مضموناً جديداً
في المكان أو الفكرة الجديدة.

وبعد هذه الرحلة في عالم شاعر ارتضى لنفسه منهاجاً خاصاً في القصيدة، وأسلوباً
له خاصيته بحيث وجدناه في معظم القصائد يلجأ إلى عدم المباشرة في تناوله
للفكرة، حتى ولو كان يتكلم في موضوع يتعلق بالأرض، لأنه كما رأينا لا يريد أن
يحمّل المعنى صورة واحدة، بل يريد منا التعمقكثيراً للوصول إلى ما يريد وإلى ما
لا يريد، فهو يريد أن يوصّل إلينا أفكاره ومشاعره بطرق مختلفة، ومن خلال
إمكانات القارئ.
ومن خلال استقرائنا لدواوين الشاعر استطعنا أن نقف على منهجه الشعري، ولغته
المتميزة:
1- الشاعر على وعي تام بطبيعة الحدث، ويتناول الموضوع من زوايا متعددة، مبتعداً
أحياناً عن تفتيت الفكرة.
2- يلجأ الشاعر إلى الألفاظ الموحية في نقل التجربة.
3- يستعين الشاعر بالرموز، وهذا ما يجعل النص في كثير من الأحيان يخضع لكثير من
التأويلات.
4- التكرار ظاهرة واضحة في القصيدة، وفي القصائد، حتى أننا نجد نفس الصورة
تتكرر في أكثر من قصيدة.
5- يميل الشاعر في كثير من قصائده إلى السوداوية، وهذا ناتج عن تأثير الحالة
النفسية التي تسيطر على الشاعر في كثير من الأوقات.
6- التحزب الذي كان ينتمي إليه الشاعر، صورة واضحة في كثير من قصائده، حيث كان
وحتى وفاته ينتمي إلى الحزب الشيوعي، وهناك العديد من القصائد التي تناولت
الإشتراكية، سواء من خلال رحلاته، أو إيمانه بهذا المبدأ الذي يرجع أصله إلى
الصهيونية.
7-يعتمد الشاعر في كثير من قصائده على التدوير.
8- الجمل الشعرية أحد الركائز الأساسية التي اعتمد عليها من خلال دفقاته
الشعرية.
9- اعتمد الشاعر على البحور البسيطة التي لا تحتاج إلى كثير عناء في بنية النص.
10- الشاعر ينتمي إلى المدرسة الواقعية بكل معانيها.
12- يعتمد أحيانا على التراث من خلال استحضار المدن والشخصيات التاريخية
الإسلامية لما لها من دور.
13- القضايا الإنسانية صورة تكاد تسيطر على كثير من قصائده.

وتبقى الدراسة التي قدمناها متواضعة بالنسبة لعطاء الشاعر الفني، ولكننا
استطعنا أن نقف على بداية الطريق لشاعر ربما طوى النسيان ذكراه، ولكننا رغم
انتماءاته التحزبية سيبقى التواصل موجوداً مع شعراء يمثلون خراج الأرض، ولغة
الحياة المعاصرة في زمن جفّت فيه الأقلام التي تنتمي للوطن إلا على استحياء .



الديوان الثاني




للشاعر
{ شكيب جهشان }

شاعرالحياة والوطن
ورمز لمدينة طبريا الفلسطينية

وديوانه

{ ثمّ ماذا }
طبريا مدينة الشاعر، وتحديداً في قرية المغار التي ولد فيها عام 1936، حيث كان
الإضراب العام في فلسطين مستمراً، فتعلّم في مدارس القرية، ثم انتقل إلى
الناصرة، ليواصل تعليمه، ومن ثمّ عمل معلماً فيها، وأخيراً تفرّغ للعمل الأدبي.
وهو أحد الشعراء الملتزمين بواقع وهموم وطنه، وملتصق بقضاياه إلى أبعد حدٍ، حيث
يتعامل مع الواقع بأسلوب يتناسب مع التجربة، ويبتعد عن رسم الخيالات.
شاعر لا ينازعه في ذاته إلا صدى الوطن، ومعاناة الواقع، وغربة الحياة، وحيرة
الروح، وذكريات الماضي، وينابيع الحب الصافي، الذي افترش منه ديواناً شعرياً
متميزاً فكراً ومضموناً.
في مدينة الناصرة، تفتحت أمامه جراحات الوطن، فعاش حياة الغربة الجسدية، في ظل
وجه لا يعرف معنى الوطن، ولا يعترف بالقيم النبيلة التي تعيشها الأمم والشعوب
الأخرى، فانصهر في وطنه بذكرياته، وتراثه، وتاريخه، وبطولاته، وانتفاضته،
وصراعه اليومي مع العدو، لتتبلور مع كل مرحلة من مراحل حياته أفكار جديدة،
ودواوين متميزة، يحاكي فيها الوطن بترابه وسهوله، وماضيه وحاضره، وآلامه
وأحزانه، فيجسد بذلك روح الوطن بقصائد وطنية متميزة.
والشاعر كما يقول، يعتبر العاطفة ركناً أساسياً في بناء النص الشعري، كما أن
للتجربة أيضاً أثر في المضمون والشكل، ولهذا فإن شعره إضافة جديدة في بنائية
الشعر الفلسطيني، حيث يشعر القارئ لها بعمق التجربة، وتنوعها فنيّاً وموضوعياً،
إضافة إلى المنطلق الجمالي الموسيقي والمحتوى الفكري الأيدولوجي، فالتضافر بين
الشكل والمضمون، جزء من أساسيات النص عنده، وقاعدة أساسية في بناء الهيكل العام
للنص، إضافة إلى أنه يمازج بين الغنائية والحكاية، والبناء المسرحي، وهذا
بطبيعة الحال ناتج عن التفاعل التام مع التجربة التي تعتمد على الأحاسيس
والمشاعر الصادقة والمرهفة، مع الرؤية المتعمقة لمكونات العمل الشعري، وبالتالي
يظهر الصدق الشعوري والشاعري.
أما البناء الفني للقصيدة، فيتسم بالإنفعالية أحياناً، التي تؤثر بدورها على
الموسيقى، والصور والأخيلة، ولكن الشاعر وهو العارف بتأثير التجربة على النص،
يوازن بين معطيات النص، ومكوناته، حتى يبرز العمل الأدبي بصورته المثلى.
شكيب جهشان الشاعر نراه في كثير من قصائده، يُسهّل مهمة الناقد في كثير من
المواضع من حيث الترابط بين شكل القصيدة ومضمونها، إذ نراه في معظم قصائده،
يقدم نموذجاً رائعاً للإنسجام بين السلوك وانعكاساته على اللفظ، ليظهر من خلال
شخصيته التي تبتعد عن التعقيد لتنعكس هذه الذاتية من المضمون على الشكل، وهنا
يبرز الإبداع الفني.
إن الأيدولوجية البنائية والمنهجية والموضوعية في بعض دواوينه، سجل واضح لمراحل
الحياة اليومية، يسجلها الشاعر عبر رحلته الطويلة المعتمدة على الرصيد الوطني
لمنهجه الفكري، والسلوك الإنساني لرؤيته في الحياة، ومخزونه التراثي الذي يضيئ
به جنبات النص، ومعجمه الشعري الثر.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


ريانيه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-14-2005, 10:32 PM   رقم المشاركة : 3
معلومات العضو
ريانيه
 عضو متقدم 
 
الصورة الرمزية ريانيه

 

إحصائية العضو












افتراضي


 

وإذا كان بعض الشعراء يعتمد على الأسلوب المباشر، والبعض على الصور الموحية،
فإننا نراه يلون في بنائية النص، معتمداً على رصيده الكبير من اللغة
الشعرية.التي لا تجد صعوبة في وجود طريقها كلّما عنّت له ميلاد قصيدة جديدة.
من خلال ما تقدم رأينا بأن الشاعر لم يلتزم بشكل ثابت للقصيدة، فقد نوع فيها،
وهذا التنوع جاء ليتوازى مع تأثير التجربة، فكان له أثره الإيجابي على الفكرة
والمضمون، فرأينا عطاءه المتجدد، من خلال دواوينه المتعددة، التي يغلب عليه
الصدق الموضوعي، والإنتماء للوطن بكل أبعاده.شكيب جهشان شاعر ينتمي لكل المدن
الفلسطينية، ولم يقف أمام الأحداث موقف المتفرج، ولا المصور، وإنما المتأثر،
والمتفاعل، والباعث في اللفظ يقظة وحياة، ولغة فألهب بشعره حماس سامعيه،
ليتوازى مع مرحلة الثورية، فكان له تأثيره المباشر في وجدان المتلقي، فكان شعره
ومازال عملية تفجير مستمرة لطاقات كامنة داخل النفس.
وليس معنى ذلك ابتعاد الشاعر عن الشعر الإجتماعي، فهو يتخذ منه طريقاً إلى
الحياة، ومنهجاً للأجيال القادمة، فالشاعر المتميز هو الذي يضرب على أوتار عدّة
وليس على وتر واحد، وهذا ما رأيناه في مجموعاته الشعرية المختلفة.
ورمزية الشاعر تمثل إبداعاً، حيث يلون فيها حسب التجربة، فهناك رمزية الصورة،
ورمزية النص، ورمزية العنوان، وهي في مجملها تعكس رؤى الإبداع لدى الشاعر.
وخلال مسيرة حياته التي مازالت نابضة بالحياة، باعتباره رمزاً للحياة والأمل،
أبدع سبعة دواوين شعرية، هي على التوالي" أحبكم لو تعرفون، صدر عام 1988،
وديوان " ثم ماذا" صدر عام1989، وديوان " أذكر" صدر عام 1992، وديوان " رباعيات
لم يكتبها عمر الخيام"وديوان" لوحتان " صدر عام 1994، وديوان " عامان من وجع
وتولد فاطمة " صدر عام 1996، وكذلك ديوان " نمر الياسين الساعدي يحكي لكم" صدر
عام 1996 أيضاً.
وعندما انتهيت من قراءة الدواوين، وجدت بأنها تستحق الدراسة والتحليل، ونظراً
لأن معظم الدواوين التي تناولتها في الدراسات السابقة تناولت الوطن، فقد وقع
الإختيار على ديوان " ثمّ ماذا"، ولا أريد هنا أن أتصفح الديوان منفرداً،
ولكنني أردت أن يشاركني القارئ زفرات الشاعر، من خلال هذه الدراسة المنهجية
الشاملة للنص.
وربما يكون شاعرنا، واحد ممن ظلموا، لأنه لم يأخذ حقه الطبيعي بين شعراء فلسطين
والوطن العربي، لا لأإسباب فنية، اللهم إلا أن الأضواء تسلّطت على بعض الشعراء،
لكنه كواحد من الشعراء الذين عرفوا معنى الكلمة، استطاع من خلال عطائه الملتزم،
ومنهجه الثابت، أن يفتح أفاقاً جديدة للفظ، وأن يكون واحداً من رائدي حركة
التجديد في البناء الفني للقصيدة، وأن يفرض نفسه على الواقع العربي والعالمي من
خلال هذا الإبداع المتميز.

{" ثمّ لماذا" }
وأول قصيدة تطالعنا في هذا الديوان بعنوان" ولد على كتف الطريق " وقبل أن نعرض
للنص، يستوقفنا العنوان، وما يحمله من معاني إنسانية، " ولد" إيحاء بالبراءة
والرجولة، وبالتالي يبرز العنوان من خلال ما يتضمنه من إباء ورجولة، وتمثل هذه
القصيدة والقصائد التالية لها، رؤية خاصة للشاعر، قبل إندلاع الإنتفاضة في
أنحاء فلسطين، والقارئ لهذه القصائد بإمكانه أن يعيش صورة انتفاضة الشعب
الفلسطيني قبل حدوثها، وهذا بطبيعة الحال ناتج عن الرؤى المتبصرة لما يمكن أن
يحدث، وليس معنى ذلك نبوءة، أو ضرب من الأوهام، ولكن الشاعر المتميز هو الذي
يملك حواساً متميزةتظهر علاماتها، ودلائلها في مضمون القصيدة، وهذا ما رأيناه
في قصائد شكسب جهشان، حيث يقول في أولى قصائده فيقول:
ولد على كتف الطريق
ولد يغني للغد الآتي، وينتظر الشروق
ولد على كتف الطريق
يا خوذة الجندي تصفعها النعال
ويا انتصار الجلجلة
حجر يحطم قنبلة
وفراشه تنهي بلا وجل
جنون المقصلة
ولد على كتف الطريق
ولدٌ، ولدٌ
مددٌ، مددٌ
ولد على كتف الطريق
يدق في فرح قيوده
ويقيم بالأوجاع
والمقلاع
دولته العتيدة
المرتكز الرئيس في هذه القصيدة الولد والمقلاع حيث يكررها الشاعر أكثر من مرّة،
من أجل لفت الإنتباه إلى حقيقة الولد، وصورته وهو يقف على جانب الطريق ينتظر
المحتل، إذن نحن نعيش زمناً معيناً، ولكننا لا نعيش مكاناً واحداً، فالشاعر
يصور لنا من خلال هذه القصيدة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، ليعكس من خلال هذا
الصراع صورة من صور الألم والمعاناة التي يعيشها أبناء فلسطين في ظل الإحتلال،
فهذا ولد على جانب الطريق، يرنو للغد الآتي بكل أمل، وهذا جندي هجين، تتحطم
خوذته بحجر، وهذا ولد آخر يريد أن يتحرر من العبودية والقهر، فلم يجد سلاحاً
للخروج من هذا القهر سوى المقلاع والحجر، لأجل أن يقيم دولته، ليعيش حراً كريما
على أرضه.
الشاعر كما نرى لا يعقد الأسلوب، ولا يولد من خلاله معاني جديدة، بل المعنى
الذي يستخدمه هو الرؤية التي تعكس أفكاره، وأحاسيسه، وبالتالي لم يحشد إلينا
الصور الكثيرة، وإن اعتمد على التكرار كما قلنا لغاية بنائية، وليس موسيقية،
ورغم أن المؤثر ذات تأثير عالٍ في النفس، إلا أن الشاعر لم يتفاعل معه بنبرة
عالية، ومن هنا جاءت قريبة من الإفهام، مع احتفاظها بالبعد الوطني من خلال
مضمونها، والقيمة الإنسانية غير المرئية للنص.
ووننتقل إلى القصيدة الثانية التي تعيش حالة الإنتفاضة قبل وقوعها:
بنت الشهيد أنا
أخت الشهيد أنا
وأنا حبيبته وأمه
وأنا، وأنا، يا شعبنا المعطاء
خالته
وعمته
وحلمه
يا أخوتي الشهداء إني
روّيت هذي الأرض من كبدي
ومن جرحي، وجفني
لكنن ما عدت يوماً للوراء
ورايتي ما نُكِّست يوماً
وإني
أبداً أسير إلى الضياء
أبداً أسير إلى الضياء، وخطوتي
فوق الأرض واثقة وعيني
ترنو إلى الأفق البهيْ، ورايتي
ما نُكِّست يوماً، وإني
إعجاز هذا العصر إني
قديسة العصر المطل
وساحتي
أبداً ميادين السماء
هذه القصيدة بعنوان" القديسة" وهي مستوحاة من مفهوم ديني، يركن إلى الطهر
والبراءة، وهي إيحاء في حدّ ذاته يغلب عليه الإبداع، لأنه على الأقل يصوّر من
خلالها العطاء المتجدد، والإقدام من أجل الخلاص، فالرؤية النضالية مصدرها الشعب
والوطن، والمقدرات، والمعاناة.
نحن في هذه الأسطر أمام شهيد، بل شهداء، وكل الشهداء أبناءً لكل الأمهات وأخ
لكل الأخوات، وللعمات والخالات، فها هو مقدام، استطاع أن يثبت حقه من خلال
الدماء الرخيصة التي ترتوي بها أرض الوطن ، فهو لم يتراجع، ولن يتراجع، ودائم
الخطى للإمام من أجل أن يحقق المستقبل الذي يريد أن يرتسم بهذه الدماء الطاهرة.
وإذا كان النص يحمل روح التضحية والفداء من أجل الوطن، ومظهر من مظاهر التمرد
على العدو، وصورة ناطقة لأبناء الوطن من أجل الخروج من دائرة العبودية، للتحرر،
من ربقة العدو، فإن النص حمل الكثير من المعاني ذات الدلالات الإنسانية، سواء
من خلال الصور التي ساقها إلينا، أم من خلال توظيف المفردات بما يتناسب
والفكرة، وكما رأينا في القصيدة الأولى، فإن الشاعر يعتمد على المباشرة في
إبراز الصورة، أو التجربة، دون حاجة إلى الترميز أو التعقيد، ومن هنا اكتسب
النص جلال الفكرة، وجلال اللغة.
الشاعر رأيناه يعلم ببواطن الأمور، وقد رأينا قدرته على ترجمة هذه القدرات
والمواهب من خلال النص، ونتابع مع الشاعر القصيدة، للتعرف على القيمة الحقيقية
لرؤيته:
وهامتي
كالسنديان شموخها
كالسنديان
وأنا أغذ من الزمان
وأنا أظل مدى الزمان
بنت الشهيد وأخته
وأظل زوجته وأمّه
وأظل للأبد الأبيد نداءه الغالي
وحلمه
وأظل زوجته وأَمَتَه
" القديس " بنت وأخت وأم وحبيبة وخالة وعمة وحلم وزوجة، صور تبحث عن روعة هذه
القديسة التي أبت على نفسها إلا أن تكون له، ولقد استعان يالصور الجزئية لتقريب
المعنى، وتقويته، ليتناسب مع الحدث.
فالقصيدة كما قلنا تمثل رؤيا حالمة، نتيجة البصيرة التي يتمتع بها الشاعر،
وكنتيجة طبيعية لتداعيات الموقف الشعوري، ولهذا استطاع الشاعر أن يتعامل مع
المعاني وكأنه يرسم واقعاً، أو تجربة حقيقية حدثت، ولِما لا يكون كذلك، ومسيرة
النضال الفلسطيني سجل خالد لنضالات هذا الشعب، وما الصورة التي ساقها إلينا بغض
النظر عن أنها رؤية للإنتفاضة، إلا جزءاً من مسيرة هذا الشعب في مواجهة العدو.
التجربة كما نرى يكتنفها صدق شعوري، وعاطفة متنوعة، تنمو داخل النص كلما نقلنا
الشاعر من صورة إلى أخرى، ولقد كان للتكرار أثر في محاكاة المشاعر والأحاسيس،
وساعد على نمو الفكرة من خلال الوقفات التي يقفها عند التكرار.
وإذا أردنا أن ندقق النظر في هذه التجربة، نجد بأنها ترتكز تماماً إلى الواقع
الذي يعيشه الشعب الفلسطيني، وهذا بطبيعة الحال يخلّد العمل الشعري، ويمكن أن
يُتصف بالديمومة.
ثم ننتقل إلى قصيدة أخرى بعنوان" ما ظلّ لي كتب" وهي قائمة على الوزن الموحد،
والقافية الموحدة، علماً بأن القصيدتين السابقتين قائمة على موسيقى
السطرالشعري، رغم أن البواعث واحدة، والمؤثرات نفسها، ولكن الشاعر أراد أن
يضمّن المعنى، معنى آخر، وهو بأن مقياس الشعر الجيد، لا ينبني على المعاصرة،
وإنما المضمون هو الأساس، فماذا قال الشاعر في هذه القصيدة:
أنا مثلكم بشــــــــــــر أكبوا، وأنتصـر
يا عصبة ظلمــــــــــت غدراً، ولا وزر
تردي الحيــــــــــاة ولا تبقى ولا تــذر
فالنار حارقــــــــــــــة والموت منهمــر
ما ظل كتـــــــــــــب أو ظـل لي قمـر
أحرقتم وطنـــــــــــــي فالقلب منفطــر
والعين من وجــــــــــع تدمي، وتنفجــر
والصدر زوبعـــــــــــة بالعزم تستقــــر
والجرح زنبقـــــــــــــة بالوعد تختمــــر
يا من تشل يــــــــــدي لن يخمد الشـرر
ولن تضيع ســـــــــدى أيامنا الزهــــــر
يا راسمأ قـــــــــــدري في قبضتي القـدر
أنا مثلكم بشــــــــــــر أكبو، وأنتصـــر
فلتحذروا غضبـــــــــي إذ يدنّي السحـر
ويبقى الطفل الفلسطيني المحمور الرئيسي في القصيدة الثالثة، وكأنه أراد أن يسوق
إلينا رؤته النافذة، قبل وقوع الإنتفاضة، ويخبرنا بأن النار حارقة، فلابد لهذا
الطفل أن يواجه عدوه، فهذه أرضه احترقت، وعينه انفطرت، وجرحه غار، ولم يبق له
إلا أن يعيش حراً كريماً.
الفصيدة تمثل بعداً إنسانياً ، فقد بدأها بقوله" أنا" وأتبع الضمير بقوله" بشر"
أي أنه يستحق الحياة كغيره من البشر، لكن الشاعر بعد هذه المقدمة فاجأنا في
السطر الثاني بقوله" يا عصبة" حيث لم يترك لنا مجالاً أو استعداداً لما سيأتي،
ولا أظن سبباً لهذه الإدانة السريعة التي جاء بها الشاعر، إلا تخفيفاً عن
الثورة الداخلية النفسية التي تحرق ذات الشاعر، وما المتلاحقات التالية إلا
دليلا على هذا البعد" ظلمت، غدراً، ولا وزر، النار حارقة، الموت منهمر"فقد أبرز
العلاقة بين الذات والتجربة، ولقد جاء توفيق الشاعر في إبراز رؤيته، من خلال
الطفل والكتاب، " ما ظل لي كتب" حيث أبرز العشق والإنتماء، فمن أجل الوطن يمكن
أن يهون كل شيء ، فالوطن لا يُعلى عليه شيء في حالة السلم، فمابالنا والأرض
محتلة، ؟، علينا أن نبرز التحدي والواجهة، ونتعامل باللغة التي تتناسب مع
الموقف.
لقد أبرز الشاعر رؤيته من خلال تداعيات معطيات الإنتفاضة، ومرجع ذلك ما ساقه
الشاعر في الأبيات، إلى أن قال " فلتحذروا غضبي، إذ يدني السحر" هذه الرؤية
تعكس ما حدث في انتفاضة الشعب، ولقد استعان الشاعر في إبراز أسباب الإنتفاضة
الكثير من السلبيات، والممارسات التي مورست على الأرض والشعب في آن واحد، إذن
كان لابد من وقفة شجاعة، للجم هذا التعسف، ولوقف حملة الإبادة الشاملة، وإذابة
الشعب والأرض، ولقد استعان الشاعر بالصور الواقعية من خلال حشده الكثير من
الصور الجزئية، في محاولة لتبرير ما يمكن أن يحدث.
إن المدقق في التجربة يشعر بصدقها، ومعايشة الشاعر لكل إفرازاتها، فابتعدت عن
الخيالات، واستمدت عناصرها من الواقع، ليس لإقناع القارئ بقدر ما هي لإلهاب
الحماس عنده، وإيقاظ البعض من الغفلة.
ولقد تجسدت في القصيدة أيضاً ملامح التوحد في البناء العضوي، حيث تلازمت أفكار
النص ببعضها، وتوحدت رؤى الشاعر، مع تنوع في العاطفة، وصحب ذلك توحد في موسيقى
القافية، ولقد كان لاستخدامه قافية " الراء " جزءاً من التأثير النفسي المنعكس
على النص.
إذن نحن أمام عمل شعري متكامل، يظهر الأسباب الحقيقية التي دعت الشعب الفلسطيني
إلى الإنتفاضة، في محاولة لإيقاف ما يجري على الأرض والإنسان.
وننتقل إلى قصيدة أخرى تمثل أيضاً محوراً، أو إضافة جديدة لرؤية الشاعر حول
الإنتفاضة، وتوقعه لها، وتحمل عنواناً يرتكز على الحجر، والطفل:
قل لي بأي يد تقاتل
يا أيها الولد المخاتلْ.....!!!
قل لي بأي يد ، تلوّح بالعلم
وبأيها أيها الهمجي
تمسك بالقلم
قل لي بأي يد تخطط للشغب
وبأيها تزكي اللهب
وبأيها تلقي الحجارة
وبأيها، ياأيها الهمجي ترفع في وجوه جنودنا
للنصر شارة ؟
إذا كان عصر المعجزات قد انتهي منذ زمن الرسول محمد عليه الصلاة والسلام،
والرسل من قبله، فإن الشاعر هنا يحاول أن يتلمس روح المعجزة من خلال الطفل
الفلسطيني الذي أصبح له أيدٍ سبعة، أو يذيد من خلال الأعمال التي يقوم بها،
فالشاعر يتساءل بأي يد تقاتل؟ وبأي يدٍ ترفع العلم، وتمسك بالقلم، وتخطط
للمقاومة، وتشعل النيران، وتلقي الحجارة، وترفع علامات النصر في وجوه المحتلين؟
كل ما ساقه الشاعر يعكس صورة مستقبلية لما سيحدث، والمتتبع للأحداث يرىمدى
توافق مشاعر الشاعر وأحاسيسه، وأفكاره، تماماً، من خلال الإنتفاضة التي حدثت
بعد فترة من رؤية الشاعر، إذن الشاعر يتمتع بملكة من الإلهام، كما يمكن أن
يحللها فرويد، وبالتالي تطابق ما يقال، على ما حدث، ما هو إلا جزء مما هو مخزون
في اللاشعور النفسي، وبالتالي ما يعبر عنه الشاعر لابد وأن يحمل الصدق المنهجي،
والفكري.
ولا يكتفي الشاعر بإبراز صورة الطفل في انتفاضته، ولكنه أراد أن يظهر صورة
العدو كيف يواجه الطفل الذي يحمل الحجر فقط، فماذا يقول:
يا أيها المتمرد المجنون سوف ندق هذا اليوم عظمك
وندق لحمك
قل لي بأي يد تقاتل
فلسوف نجعل لحمك الملعون طعماً للعصي وللقنابل
يا أيها الولد المخاتل
ياأيها الفاشي
حطّم ما استطعت
وكيف شئت
ففي غدٍ آتٍ
ستنكفئ العصيّ
وفي غدٍ آت
ستنهزم الجحافل!!!
الرؤية صائبة وصادقة، وهذا بالفعل ما حدث زمن الإنتفاضة، حيث كان المحتل يمارس
أبشع وسائل التعذيب للإطفال، من خلال أساليب لا تمت إلى الإنسانية بشء، هذه
الآلام الإنسانية التي أبرزها الشاعر جاءت لتصور همجية المحتل، وأساليبه
القمعية وغطرسته، في محاولة منه لإخماد هذه الثورة، والواقع بأن العدو نسي أو
تناسى بأن هذا الطفل لا يهمه العصي، التي تأكل لحمه، ولا يكثرث لما يمكن أن
يحدث له، لأنه يدافع عن أرضه، فهو صاحب حق، وصاحب الحق لا يخشى قنابل، أو عصي.
لقد رسم الشاعر فعلاً صورة الطفل الفلسطيني وكيف استطاع أن يواجه العدو، بحجر،
ولهذا ترك للزمن بأن يغير هذا الوضع من خلال الأطفال، وستنهزم الجحافل في
المستقبل القريب.
لقد اتضحت لنا معالم الصورة من خلال العلاقات التي تجمع بين الألفاظ، واستطاع
الشاعر أن يمنحها الدفقات الشعورية المناسبة، من خلال الأبعاد المستوحاة من
اللفظ، وإن كان اعتماده على اللفظ ذاته في بلورة أبعاده النفسية، لهذا وجدنا
بأن الشاعر يعيش حالة من الثورة الداخلية التي تنتسب إلى الأرض، والمحتل، من
أجل إحداث الأثر الإنفعالي داخل النص الشعري، وبالتالي يكون له تأثيره خارج
نطاق القصيدة.
أما قصيدة " صابر الغزي" التي تمثل هي الأخرى إضافة جديدة لبعد نظر الشاعر،
فعنوانها يوحي بقوة التحمل، والصبر على المعاناة:
ألقى دفاتره وغاب
زين الشباب
ألقى دفاتره وغاب على دروب المرحلة
يا صابر الغزي أنتَ نبي هذا العصر
أنت المعضلة
والمقصلة
يا صابر الغزي أنت نبي هذا العصر
فاحذر أن تمزقك العصي
أو الخصيُّ
وأن تعود المهزلة....!!
يا صابر الغزي يقتحم جنودنا بيوتنا
وجلودنا
فارفع جبينك عالياً
وجبيننا
وارفع يديك بشارة النصر البهيّ
تمجيد لهذا البطل، مع إبراز الأسباب والدواعي الكامنة وراء هذا التمجيد، حيث
ارتكز على ركائز أسسية نابعة من واقع عملي قام به هذا البطل" من أجل الوطن، فقد
ألقى دفاره، وهذا إيحاء بأن الوطن والأرضأهم من المستقبل والقراءة والكتابة،
فقد اتجه إلى مكان لا يعرفه إلا هو، ولقد استعان الشاعر في هذا المقام من أجل
أن يوازي بين هذه الرؤية، وما يجانسه، بالصور البلاغية المعتمدة على السمو
والطهر، كما ساق لنا ذلك في قصيدة القديسة، وها هو اليوم يصفه، بأنه نبي هذا
العصر، وهذا نابع كما نرى من حالة التسامي التي وصل إليها الفلسطيني من أجل
الوطن.
الشاعر يوظف العناصر الأساسية التي تجعل من هذا الفلسطيني القوة الوحيدة سواء
داخل النص أم خارجه، ولما لا، والواقع الذي حدث يدل على ذلك، فالشاعر هنا لم
يعتمد اعتماداً كلياً على اللفظ وإنما استخدم اللفظ طريقاً أو معبراً ليعبر من
خلاله عن المعنى الذي يريده، أو النهج الذي يستمد منه مادته الفكرية، وإن كان
الأمر طبيعياً، فإن الأسلوب يظهر القدرة الكامنة في الشاعر عندما يتناول مثل
هذه القضايا.
وهكذا يتابع الشاعر إبراز صورة " الغزي" من خلال الصور التي يسوقها إلينا،
ويكمل الشاعر القصيدة، لنتعرف من خلالها على عناصر جديدة في النص، فهو أيضاً
يخاطب الغزي، بقوله:
وأراك تقتحم الرصاص بصدرك العاري الندي
وأراك تقتحم الخلاص
أضرب... صرخت وصدرك العاري الأبيّ
خميلة من أرجوان
اضرب
ويفعلها الجبان
تظل رغم الموت تقتحم الحياة
اضرب......
ويفعلها الجبان
ويظل صدرك راية للنصر والبشرى
وللغد مهرجان
العاطفة التي تظهر من خلال النص، تناجي الظواهر المعنوية داخل النفس البشرية،
فيظهر التفاعل الخلاّق المؤثر على بنية الكلمة، والمستمد جزء منه من الواقع،
حيث استنطقها الشاعر بجدارة، وحوّلها إلى ألفاظ ذات معاني، ومعاني ذات دلالات،
وإيحاءات، ورموز شفافة، مستعيناً بالتكرار في إحداث أثر إنفعالي في المتلقي،
ومن هنا استطاع أن يجانس الفكرة، بالحدث وبالعاطفة، والموسيقى، لخلق تجربة
إبداعية تمثلت في تصوير البطل الفلسطيني، أو صابر الغزي كما نعته، مستعيناً
بالأفعال وخاصة فعل الإمر لإحداث التأثير المطلوب، وكذلك الجمل الخبرية
ليجانسبين المعاني.
الحياة التي يرتكز عليها في تلك الأسطر، نابعة من الموت، والموت هو طريق
للحياة، هكذا يظهرها الشاعر، وبالتالي استند في إبراز ذلك إلى الأعمال البطولية
التي يقدم عليها الغزي، فاقتحامه للرصاص، بصدر مفتوح، ما هو إلا دليل لرغبته في
الحياة الكريمة الحرّة، وبالتالي اتخذ من الموت معبراً للحياة.
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل إن الموضوع له أبعاد أخرى، من أهمها إظهار صورة
المحتل كيف يواجه أبناء الشعب الفلسطيني، الذي لا يملك من السلاح ، سوى إيمانه
العميق بأن الأرض التي يدافع عنها هي أرضه، وبالتالي يهون كل شيء أمامها.
أما القصيدة التالية، فهي أيضاً ترتكز على نبوءة" للإنتفاضة " من خلال ما يسوقه
إلينا من معاني، ولكنه تنطلق من رؤية جديدة، تختلف عن سابقاتها من القصائد، فهي
تعكس رؤية هامة في الحياة، وهي قيام العدو بقتل النفس، وقتل الحياة، من أجل
الوصول إلى هدفهم سواء باستخدام السير على جثث الشعب، أم الأرض المحروقة، وكم
شاهدنا ذلك على شاشات التلفاز، فقد سرقوا الأرض، ونهبوا المقدرات، وقتلوا
الأنفس، وشرّدوا أبناء الوطن، ونثروا الشعب الفلسطيني كما يتم نثر الرماد"
الهندي" في النهر، من أجل تحقيق هدفهم في الحياة، ولكن هذا الظلم هل يستمر؟،
وهذه المأساة هل ستطول؟ وهل ستنجلي الغمرة عن الوطن والمواطن؟ وهي بعنوان " يا
أم يرعبهم قدومي ":
يا أم ما احتملوا قدومي
جمعوا السموم
إلى السموم.......ز!!
أنا بعد
لم أخرج إلى الدنيا
ولم أشتم رائحة الوجود
أو الوعود.....!!
أنا لم أزل يا أم في الرحم العظيم
يا أم ما احتملوا قدومي
صبّوا عليّ النار، والكبريت
واستلوا الحياة من الحياة
ومزقوا بالسيف جمجمتي وألقوا
لحمي الملعون في كل الجهات
يا أم لم تنفع صلاتي
تتجلى القيمة الموضوعية لتلك الأسطر في إبراز الصورة الحقيقية للعدو من خلال
أساليبه القمعية التي يمارسها على الشعب الفلسطيني، ولم يقف الأمر عند هذا
الحد، بل نجده في هذه اللوحة يبرز الخوف من الفلسطينين وبالتالي يحاول التخلص
منه وهو في الرحم، وبالتالي تخلّصوا منا سويا يأ أم.
الأسلوب الحواري البريء الذي دار على لسان الطفل والأم، ولّد لنا معاني درامية،
لكنها ارتقت من خلال التوظيف، والتسلسل الفكري والعاطفي، لتبرز وثيقة إدانة
حقيقية لهؤلاء الطغمة التي تقتل الحياة، وترغب في العيش على أكتاف البشر، لقد
أظهر هنا مأساة القرن العشرين من خلال السلوك المأساوي الذي يمارسه العدو،
فهاهم قد ألقوا لحمي في كل الجهات، ظانين أن لحمي لن يتجمع ثانية، ليبني عشه
على أرضه.
ويتابع الشاعر توليد المعاني، التي تدور حول خوفهم من ولادة طفل جديد، وبالتالي
يمارسون لغتهم بقتل الحياة، والروح، حتى لا تتجدد الحياة في الأرض، ولكن االطفل
الجنين، يقول لأمه: ليفعلوا ما يريدون، ولينعموا بالحياة كما يشاؤون، فلكل
طاغية نهاية:
جمعوا السموم إلى السموم
يا أم يرعبهم قدومي
غصبوا الحياة من الحياة
وصفقوا للغرغره
فليفرحوا بالمجزرة
ولينعموا بالنصر يا أمي
وصمت المقبرة!!!
ويسترسل الشاعر في هذا المقام، حيث يتكئ علىإبراز سرقتهم للحياة، لا ليثبّت
الحقيقة، بقدر ما يريد إفضاح أساليبهم، وكشف زيف أقوالهم:
سرقوا الحياة من الحياة
يا أم لم تنفع صلاتي
أنا كنت أحلم أن أكون مشعشعاً كالنجم
أحلم بأن أكون مسافراً كالنجم
أحلم بأن أكون محلقّاً
كالقبره
فليفرحوا بالمجزرة
ولينعموا بالنصر يا أمي
وصمت المقبرة !!
الشاعر هنا يحاول أن يستعين بالخيال، من خلال التشبيه الذي يسوقه إلينا، ليبرز
صورة الطفل، وما يحلم به، ولكن يد الغدر طالته، لتقتل فيه كل الآمال والطموحات
التي كان يحلم بتحقيقها.ويتابع الشاعر لنصل إلى الجزء الأخير منها:
صبّوا علي النار والكبريت
واستلوا الحياة من الحياة
أواه من كيد الطغاة
يا شعبي المظلوم
يا قدري المخلّد للأبد
أنا كنت أحلم أن أكون لك السند
أنا كنت أحلم بالبلد
أنا كنت أحلم بالحياة
أواه من كيد الطغاة
يا شعبي المظلوم
إن الفجر آتِ
يا شعبي المظلوم
إن الفجر آتِ
يبرز الشاعر صورة التحدي من خلال الصراع بين الحق والباطل وكيف للحق أن ينتصر،
واستناد الشاعر هنا للنصر يرجع للحق ولا شيء دونه، ولهذا نجده استخدم كلمة"
المظلوم" وهذا إيحاء بأن هناك ظالم، ولكن لهذا الظالم نهاية، فالفجر الذي يوحي
بالأمل ، ونهاية الصراع، لابد وأن يأتي.
التفاؤل الذي ساقه الشاعر، رغم هول ما يحدث، يرتكز على حقائق راسخة تنتمي إلى
العلاقة بين الإنسان صاحب الأرض، وبين الأرض ذاتها، ولهذا نجد انعكاس ذلك على
مجريات النص، وأفكاره، فعندما يدور الحوار مع الطفل تكون الألفاظ حالمة، ذات
أبعاد إنسانية، وعندما يتعامل الشاعر مع العدو، وأساليبه، نجد بأن تفاعلات غير
طبيعية تظهر داخل النص، وهذا يعني لنا تأثير الحس النفسي على المعني، ولهذا فإن
القصيدة الجيدة يجب أن يبرز بين جلاليبها روح الشاعر، ورؤيته، لتتمثل لنا قيمة
العمل الفني، وتفاعلاته، وما يمكن أن يكون لها من تأثير خارجي.
ولقد أكّد الشاعر على صورة الفجر، من خلال التكرار الذي ساقه هنا، وتأكيده نابع
من الحقيقة الأزلية بأن الأرض فلسطينية، وما هؤلاء الطغمة التي احتلت الأرض، ما
جاءت، ووجدت إلا في غفلة من الزمن العربي.
وننتقل إلى قصيدة أخرى، تحمل الكثير من المضامين والدلالات ذات الأبعاد
الإنسانية، وترتكز على أن هناك فئة من اليهود غير مقتنعة بما يجري، وما يقومون
به ناتج عن تغرير بهم من خلال ما يلقنونه لهم في مدارس التميز العنصري داخل
الأرض المحتلة، وقد جاء هذا الكلام على لسان جندي إسرائيلي من خلال رسالة وجهها
إلى والده وهي بعنوان " رسالة من جنديّ في المعركة إلى والده" يقول فيها:
أبتي العزيزْ
في بيت لحم أنا، أكسّر تارة
أيدي الصغار
وتارة أفراح الكبار
وتارة ألهو بإيقاع
الأزيزْ
أبتي العزيز
لكنهم لا يرهبون الموت يا أبتي
ومثل فوارس الميدان
ينطلقون في شوق النصال، إلى المحال
قدر الرجال......!!
ليسوا وحوشاً ياأبتي
هم يا أبتي بشر يحبون الحياة والإنتصار
هم مثل كل الناس يا أبتي
يحبون النهار
رسالة إدانة يرسلها جندي يشعر بالخزي والعار لما يقوم بهمع الجنود من ممارسات
ضد أبناء الشعب الفلسطيني، وطبيعي إن ما حدث فترة الإنتفاضة، كان يمثل هذا
الوجه القبيح للجندي الإسرائيلي، وشاعرنا استطاع استنطاق ما سيحدث من خلال رؤية
مستقبلة، وها هي قد تحققت، فكانت رسالتة التي يروي من خلالها الجندي ما يقومون
به، من أعمال لا أخلاقية وقد وجهها إلى أبيه.
ثم يحدد الجندي الذي بدأ يحس بمهانة ما يقوم به، صور الشعب من خلال التحدي الذي
يظهرونه في وجوه الأعداء، فهم لا يرهبون الموت، وليسوا وحوشاً كما كان يُقال
لنا، إنهم بشر يحبون الحياة، أكثر منا.
ربما يكون الموضوع الذي تضمنته الرسالة، يطغى على ما بها من جماليات إبداعية
فنية، فالرسالة في حدّ ذاتها إبداع ،يضاف إلى مكونات النص الجمالية، والمتعلقة
بالألفاظ ذات الأبعاد والرؤى الإنسانية، فقد استطاع الشاعر بأسلوبه البسيط، من
خلال تراكيب شعرية أن يوظف المعاني في خدمة النص، ويحقق الغرض الذي يريد أن
يوصله إلى العالم، من خلال القيمة الإنسانية التي حملتها القصيدة، وكذلك
التعبير الصادق الذي أفرزته معطيات الزمن، ومشاعر الشاعر النفسية، فحقق لتلك
الأسطر وما يليها اللغة الإبداعية في، ونتابع مع الجندي رسالته:
ومحمد...هذا الفتى العربي مثل أخي الصغير
يحب في وله عصير البرتقال
يحب مثل أخي الصغير
شقائق النعمان
والحلوى
وسقسقة الطيور
ومحمد
هذا الفتى العربي في عمر الزهور....ز!
وأنا هنا
وأنا هنا في بيت لحم أشلّ أطراف الصغار
وأنا هنا في بيت لحم السوط والتابوت
يا أبتي
وزوبعة الدمار
ومحمد، هذا الفتى العربي صار خطيئتي
وفجيعتي
وجنودنا الرحماء، يفتتحون كل دقيقة جرحاً
ويغتالون في نزق
أغاريد الهزار
لقد أخذت الرسالة أبعاداً إنسانية، ولا نريد أن نستغرب هذا، فإن أعداداً كبيرة
من اليهود يرفضون الأعمال الإجرامية التي يمارسها الجيش علىالأطفال
الفلسطينيين، وقد نقلت إلينا الرسالة صورة طفل صغير، قرّبه الجندي إلى والدهِ
بأنه مثل أخي الصغير يحب العصير، والمرح بين الأزهار، ولكنني يا أبتي أغتال
يده، وأشل تفكيره، وأقضي عليه، هذه هي التعليمات التي تصدر، ونقوم بتنفيذها،
ولم يقتصر الأمر علي، فها هم الجنود يطلقون الرصاص على الأطفال، ويغتالون كل
دقيقة طفلاً صغيراً، لإنني يا أبت لا أعرف لماذا نقوم بهذا العمل؟ هل نحن على
حق؟ أم أن هؤلاء الأطفال الذين يواجهون الموت بصدورهم، أحق منّا؟ كل الدلائل
تشير يا أبتي إلى أنهم أحقّ منا في الأرض، وفي الحياة، فهم طلاّب حياة قبل أن
يكونوا طلاّب موت.
الرسالة كما رأينا تتحدث عن سوء تقدير، وفهم للأمور، وبعد عن الحقيقة، ولذلك
رأينا النقمة التي تحتويها المعاني، وتظهر روح الغضب، لكن هذه تعليمات القيادة،
ولابد من تنفيذها. ونتابع الرسالة الجزء الأخير منها:
وجنودنا العظماء ينتفضون من جنبي وضعف عزيمتي
ومحمد، هذا الفتى العربي
صار خطيئتي وفجيعتي
ورقاقة الأطفال
توّاقون في نهم، ليوم الإنتصارْ
هم يا أبي بشر
يحبون الحياة
هم يا أبي بشر يحبون النهار
هم يا أبي بشر
يحبون النهار
الشاعر أراد أن يظهر من خلال رسالته، صورة المحتل، وكيف سيمارس أساليبه القمعية
ضد الأطفال، وكأنه يعيد إلى الذاكرة زمن التتار، أو كأنه يريد أن يقول لنا ما
أشبه اليوم بالبارحة، ولا غرو في أن ينتسب هؤلاء القوم إلى فئة من التتار أو
المغول، ولو حتى ضمنياً، والمدقق في الصور جميعها، سواء المتعلقة " بمحمد" أم
من خلال الجندي ووالده، وكذلك الأساليب القمعية التي تمارس، وغيرها من مكونات
النص، نجد بأن الصورة قد تم تشكيلها من الواقع الحسي الملموس ثم نقلها إلى
الواقع ‎المقروء بلغة حاذقة، وقدرة على توظيف هذا الواقع بعناية، ووقف على
العلاقات بين الصور، ومزج بينها، ليكوّن الصورة الشعرية المتكاملة، أو التوحد
الذي بنى الشاعر قصيدته على منواله..هذه الصور التي استند إليها الشاعر في
إبراز القضية الوطنية والإنسانية معا، حفلت بالصور العميقة ذات التأثير الكبير
في النفس سواء على اليهودي، أم غيره، إضافة إلى مسايرة الصورة لتفكير الشاعر،
وأدائها لوظيفتها المثلى داخل النص، بحيث لا نشعر بطغيان فكرة على أخرى، فكان
التسلسل الفكري من خلال الإلتزام بقواعد الرسالة النثرية مرتكزاً يرتكز عليها
الشاعر.
أما العاطفة فقد برزت من خلال الصدق في تناول القضايا التي تتضمنها الرسالة،
والأساليب الصحيحية التي كانت تمارس، والدوافع الكامنة وراء إرسال الرسالة،
ومشاعر الألم التي احتوتها مضامين الألفاظ التي ساقها إلينا الجندي، فقد برز
ذلك واضحاً أيضاً من خلال موسيقى الألفاظ التي اندمجت مع المشاعر، لتكوّن الصور
الشعرية.
إذن نحن أمام عمل شعري متكامل، ومتميز فكرة ومضمونا، حمل بين ثناياه المعاني
الإنسانية التي يتحلى بها بعض الجنود، وكم سمعنا خلال الإنتفاضة أن بعض الجنود
والقادة رفضوا الأوامر العسكرية لأنهم لا يطيقون طفلاً صغيراً تُكسّر أطرافه
لأنه ألقى حجراً، أو لأنه يتمنى أن يعيش كريماً كباقي البشر.
ويعتمد الشاعر في القصيدة التالية المعنونة" وظللت منتفضاً أقاوم "على معطيات
سابقة مستمدة من التاريخ، ويتخذ من مدينة نابلس مرتكزاً لذلك، حيث يبرز كيف زال
الأتراك، والإنجليز قديماً عن المدينة، والمدن الفلسطينية، أما اليهود الذين
احتلوا الأرض بأساليب المراوغة، فيقول: إنهم أيضاً إلى زوال :
أوّاه يا نابلس كم مرّت عليك
جحافل الغازين
في صلف
وكم مرّت علينا؟!
أنا لست يا نابلس منكفئاً
أنا لست يا نابلس منطفئاً
ففي التسعين
مازالت تشد بي العزائم
مازلت يا نابلس
في التسعين
منتفضاً اقاوم
أوّاه كم مرّت جحافلهم علينا
أوّاه كم غلّت سلاسلهم يديّا
عاصرت يا نابلس تركيا، فراحتْ
مثلما جاءت
وشدّ الإنجليز جنودهم
وقيودهم
لكنهم ساروا
وغاروا
وظللت يا نابلس مثل صخور عيبال عصيّا
وظللت يا نابلس مثل نسيم عيبال
نديّا
وظللت منتفضاً أقاوم
وظللت منتفضاً
أقاوم
ترتكز القصيدة على الأمل الذي يستند إلى الماضي بكل أبعاده، فهاهم الأتراك رغم
عنفوانهم وقوتهم، وإحتلالهم مناطق شاسعة من العالم، إلا أنهم زالوا عن هذه
البقعة، ورحل أيضاً ألإنجليز الذين جاؤوا إثر هزيمة الأتراك، والأمل معقود بإذا
الله ، بأن يرحل اليهود بعد هزيمتهم من أصحاب الأرض الشرعيين، وهم الفلسطينيون،
ولكن الشاعر استند إلى الأمل والنصر، على المقاومة التي يجب أن تستمر حتى
يستطيع الشعب الفلسطيني إقامة دولته على أرضه.
الشاعر كما نرى لا يطلب المستحيل، ولكنه يبني أفكاره على إرث الماضي، بجسر
ليوصلنا إلى الحاضر، فالحياة تكاد تكون متشابهة في أطوارها، وإنهيار الشعوب
أيضاً يرتكز على معطيات متشابهة، وهو هنا يستند إلى الحق والقتال في مواجهة
اليهود للوصول إلى الهدف الذي يسعى إليه أبناء الوطن.
وإضافة إلى الأبعاد الموضوعية والفنية في القصيدة، فإن ظاهرة التكرار التي بدت
بوضوح في معظم القصيدة، يعني سيطرة هذه اللغة الموسيقية لإحداث التأثير المطلوب
في الوجدان، وتأثيرها في نفسه قبل أن يكون تأثيرها في السامع أو المتلقي، وما
إلحاحه المستمر بهذه الصورة إلا ليشكل بعداً جديداً سواء كان وطنياً أم قومياً
أم إنسانياً، وربما يكون التشكيل الجديد للتكرار في كل مرّة قد منح القصيدة
قيمة ذات بعد نفسي بعيد، لأن التكرار الموحد، يكون مملاً ويُفقد القصيدة قيمتها
الفنية، ولكن لجوء الشاعر إلى التكرار الموحد أحياناً ليس لفقر معجمي، بقدر ما
هو اتكاء نفسي على هذا التكرار، لهذا نجد بأن الشاعر البارع يتصرف بدقة ودراية
أما عنصر التكرار، لأهميته الإيحائية والنفسية، ولأبعاده الموضوعية.
وننتقل إلى قصيدة أخرى بعنوان " وطني " وهي مجموعة من الأحاسيس والمشاعر يسوقها
إلينا الشاعرليظهر ما آلا إليه حال الوطن، مستعيناً بالصور البلاغية في إبراز
هذه العاطفة:
وطني، فداك الروح
يا وطني
غصبوك واحتالوا على الزمن
وطني
عرفتك لا تلين قناً
وعرفت كيف تصول في المحن
المجد في عطفيك ملحمة
وعلى يديك
منارة السفن
الصامدون السمر لم يهنوا
والأمنيات الخضر
لم تهن
وطني تقدّم
غير مرتهب
واضرب بنعليك
هامة الوثن
وطني سألتك
أن تظل مدىً
للعين، من عِزٍّ
وللأذن
وطني، ويا طيباً،
على كبدي
الله..
ما أغلاك
يا وطني
نظر الشاعر إلى وطنه فوجده قد إغتصب، ولكن لثقته في أبناء وطنه، فإن هذا
الإغتصاب لن يكون إلا بداية ثورة عارمة ستجتاح البلاد، وتعيد الروح إلى الجسد،
هذه الرؤية التي تجسّد روح الوطن تنمي فينا روح الحماسة والوطنية، وتوقظ فينا
الوعي، وتبعث فينا الحمية، وعدم الإستسلام، ولد ابتعد الشاعر لإبراز هذه
المشاعر على الألفاظ ذات البعد الوطني، لخلق تأثير خاص في المتلقي.
وننتقل إلى القصيدة التي تحمل اسم الديوان" ثُمَّ لماذا ؟!" حيث تمثل إضافة
جديدة للفكر الشعري، ومنطلقاً متميزاً في التعامل مع الكلمة الشعرية، من خلال
ما ساق إلينا من مشاعر وأحاسيس وأفكار ذات أبعاد جديدة، خاصة وأنها قيلت بعد
الإنتفاضة بحوالي ستة أشهر:
ثمّ ماذا ؟!
أيها الضارب بالكبريت والنار حدود الياسمين
ثمّ ماذا ؟!
طفلة في شهرها التاسع
شُلّت عينها
أيها الجندي من ؟ّ
حلل القتل
ومن؟!
أوكل السكين بالأعناق أحيانلً
وحيناً بالجبين ؟!!
القصيدة مقسّمة إلى إثني عشر مقطعاً، وكل مقطع يحمل مضامين ورؤى مختلفة، لكنها
جميعاً تصب في خانة المرتكز الأساسي" ثم ماذا بعد هذا"، إذن الشاعر يستمد هذه
الرؤى من الواق، والتراث، وإذا قلنا الواقع، فيعني المعاناة اليومية لكل ما
يدور على أرض الواقع، ولا أقول بأن الشاعر يعكس الصورة، بقدر ما يحاول إعادة
تشكيل هذه الصورة لتكون أكثر ملائمة وتأثيراً، وإن كان الواقع اللحظي أشد
تأثيراً مما صاغ إلينا الشاعر، ومن هنا فإذا نظرنا إلى اللوحة الأولى التي
استمدها الشاعر من هذا الواقع، فما علينا إلا أن نتساءل في هذا المقام، : هل
ترضون يا أصحاب الضمائر الحية بأن يقوم جندي هجين بإطلاق النار على عيني طفلة
في شهرها التاسع؟ الشاعر هنا لا يسوق إلينا خيالات، وأوهام وافتراءات، بل يسوق
الحقائق التي تمارس على هؤلاء العزل من السلاح، فالعدو لا يفرّق بين طفل صغير،
ورجل عجوز، الكل سواء، وما هدفه إلا قتل الحياة من الحياة.ويتابع الشاعر نقل
هذه الصور فيقول في المقطع الثاني:
ثمّ ماذا
أيها المعتد بالسيف وبالبارود
من ألف سنة
تدفن الأحياء في تيه
وتردي السوسنة؟!
ومع كل مقطع يكرر الشاعر" ثم ماذا" ليتبعه سلوك لا إنساني تقوم به عصابات الغدر
ضد أبناء الشعب الفلسطيني، فهنا يصوّر لنا قتله للحياة من خلال السلاح الذي
يحتمي به، ظاناً أنه قادر على إنهاء كل مظاهر الحياة، وهو لا يعلم بأنه يبعث
حياة جديدة من خلال هذا القتل. وينقانا إلى صورة مأساوية اخرى، تضاف إلى سجل
العدو:
ثمّ ماذا ؟!
تحمل الرشاش في غدرٍ
وتصطاد الرجال
أيها الجندي من؟!
علّم الفاشست
ذبح البرتقال؟!
الصور كما نرى متزاحمة، وتحمل مضامين كثيرة، ولا نريد القول بتسارعها، لأن هذا
التسارع هو الذي يُعمل الثر الإنفعالي داخل نفس المتلقي، ومن أجل إثارة المشاعر
وإزكاء روح الغضب تجاه العدو، فهذه صورة أخرى لمحتل يوجه رشاشه في غدر إلى
الرجال من أبناء الشعب الفلسطيني، ولقد ربط أساليبهم الوحشية بالفاشست، وهذه
نقلة تاريخية تكنز بالكثير من دلالات ذات أبعاد أليمة، فهذا التقرير والتقريع
إنما ليظهر الروح التي يمارسها العدو مع أبناء فلسطين.
وننتقل إلى لوحة جديدة تبرز أساليب العدو، وممارساته القمعية:
صوّب الرشاش
في الأفق
وعلى تلك الهضاب الشمّ راعٍ
يملأ الأرض غناء
ورواء....ووسامة
هذه الأرض لنا
وعلى فوهة الرشاش تنهار الجباه السمر في رعبٍ
وتنهّد الكرامه...!!!
هذه الأساليب التي تتضح معالمه من خلال هذا المقطع، تعني قتل الحياة، وكم نراه
يحب هذه الصفة، ويمارسها حتى على الطيور، والآمنين، هذه المقابلة التي يبرزها
الشاعر ليست من واقع الخيال، وإنما تمثل بُعداً وطنياً، فالشاعر ليس همّه أن
يصور بلغة الشعر هذا الواقع الذي يمارس دون رحمة، وإنما لإبراز معاناة أبناء
الوطن، وإبراز لغة المحتل وتعطشه للدماء.
وننتقل إلى لوحة أخرى تصور الصراع من خلال الإنتفاضة التي تأججت في أنحاء
الوطن:
سقط اليوم صبي
سقطت أمس صبية
سقط اليوم نبي
سقطت أمس نبيه
ثم ماذا؟ّّ
أيها الجندي لن أرتد عن حقي
ولن أخشى جنون البندقيه
نقف أما م الفعل " سقط" الذي تكرر في هذا المقام أربع مرّات، حيث يحمل في
مضمونه سلوك العدو، فاليوم سقط شهيد، وبالأمس شهيدة، وهكذ،ا لكن كل ذلك لن
يثنيني عن المضي في المواجهة، لأنني صاحب الحق في الأرض، هذه الكلمات جاءت
صرخات مدوية في وجه الظلم، على لسان طفل فلسطيني آخر.
وهاهي الممارسات تتجدد بصورة أخرى من خلال أساليب نازية يمارسها اليهود ضد
أبناء فلسطين، حيث ينقلنا الشاعر إلى المخيم، فماذا يفعل هناك:
حطّموا الخابية الأولى
وكبّوا الثانية
وعلى باب المخيم
نصبوا مشنقة أخرى
وشقوا هاوية
تستوقفنا الكلمات كثيراً، لأنها لا تتجاوز معناها، بقدر ما تبرز المعنى من
ذاتها، وبالتالي تتوافق الألفاظ والمعاني في بلورة معطيات الواقع السلوكي الذي
يظهر همجية المحتل، فتحطيم الأواني، خوفاً مما بداخلها، ونصب المشانق على أبواب
المخيم، وغيرها من أساليب البطش، إنما يدل على هذه الهمجية بكل صورها.ولننظر
إلى ما آل إليه حال الفلسطيني، فبعد أن كان يملك كل شيء، صار لا يملك شيئاً:
كان لي كرم من الزيتون قرب الغابسيّة
صار لي بيت من الزنك على خصر جنين!!!
كان لي حقل من القمح
وماء وهوية
صار لي وعد، وأحلام، وذكرى
وحنين؟!
ثمّ ماذا؟!
صادروا الوعد وبزّوا أملي
واستباحوا بيتي الواهي على خصر جنين
واستباحوا مرّة أخرى حقول القمح والزيتون
قرب الغابسيّة
وحقول المريمية
لقد أصبح الوعد والأحلام ذكرى، وتحول الحق إلى باطل فقد صادروا حتى الوعد،
واستباحوا حتى البيت الذي تم إنشاؤه على جانبي المدينة، ثمّ استباحوا مرّة أخرى
حقول القمح والزيتون، والمرمية، ونستوقف أمام الأفعال" كان - صار، صادروا-
واستباحوا" حيث توحي جميع الأفعال بأن كل شيء تحوّل إلى حنين وذكرى، ولكن كيف
يمكننا أن ننسى حقلنا، وأرضنا، وزيتوننا، وقريتنا، وكيف يمكن أن ننسى الغابسية،
وجنين، فتغير معادلة الإنتماء للأرض لا يمكن أن تتغير بفعل عدوٍ استباح الديار،
لأن هذا التغيير للتاريخ، وتزيف الواقع، لا يمكنه أن يستمر طويلاً، ولا يمكن
للعدو أن يحلم بالأمان طالما بقيت الديار مستباحة، ولذا نشعر من خلال تلك
الأسطر الإنفجار اللغوي الذي ساقه الشاعر ليوازي بين الواقع، وتأثير الحدث، حتى
أننا رأينا بطول الدفقات الشعورية لتتوازى مع الحدث، لذا نشعر هنا بنوع من
التجانس بين العاطفة والحدث، وبالتالي يبرز الصدق العاطفي من خلال تلك المعاني،
ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل نجد التوحد الفكري، من خلال ترابط عناصر النص.
هذه الأسطر وما تليها لا تعبر بطريق مباشر عن معنى محدد، بل إن الشاعر يقدّم
إلينا مجموعة من الإيحاءات المتنامية من خلال ما يسوق إلينا من أفعال، وأسماء،
وجمل شعرية، ومن خلالها نستطيع أن نوازي ذلك بالواقع مع كل فلسطيني على الأرض
الفلسطينية، لنرى مدى تتطابق ما ذهب إليه الشاعر، وما يحدث، ولقد طوّع الشاعر
الألفاظ لخدمة تكنيك الكلمة، وإيحاءاتها، بحيث جعل الكلمة خاضعة للحدث نفسه،
ومحكومة لما يدور على أرض الواقع.
وننتقل مع الشاعر لنرى أبشع الصور التي بدأ يمارسها الجيش ضد الأطفال والشيوخ
والنساء، حيث أخذ يطلق الرصاص المطاطي عليهم، وهو من الأسلحة المحرّمة دولياً:
أطلقوا المطاط والنار
وألآف الحناجر
ثمّ ماذا؟!
سقطت " بيتا "
وكان القاتل المسكين مقتولاً
وكان الله، كان الله
جندياً مغامرْ
هنا يفتح الشاعر حلقة جديدة من حلقات العذابات اليومية أثاء الإنتفاضة، حيث أخذ
الرصاص المطاطي طريقه إلى الأجساد الفلسطينية، وألسنة النار التهمت كل شيء،
والمظاهرات المنددة بالإحتلال والرفض لوجوده، وهذه " بيتا" تسقط بهذا الرصاص،
ولكن الله كان بالمرصاد للقاتل فقد قُتل، وهذا إيحاء من طرف خفي بعظمة
الإنتفاضة، ونزاهتها، وعدالتها، وسمّوها، فالله مع هؤلاء الفتية الذين يواجهون
الباطل بقوة الحق.
ثم أضاء النص بشخصيات تراثية، ذات مغزى إسلامي وإنساني، من خلال شخصية صلاح
الدين الأيوبي:
عندما دق صلاح الدين باب القدس
صار الدرب نحو الله مفروشاً زنابق
ثم ماذا؟!
عندما دقت عصا الفاشي
باب القدس
صار الدرب نحو الله
مفروشاً بنادق!!!
المقابلة التي نراها في الأسطر السابقة، تظهر كيف كان الحال عندما فتح القائد
المسلم صلاح الدين بيت المقدس، وكيف نشر العدل والمساواة، وأصبحت الديانات
الثلاث تعيش بأمان تحت راية الإسلام، ولكن الأمر اختلف عندما احتلها الجيش
الإسرائيلي، حيث تحولت الزنايق، إلى بنادق مشرعة في كل مكان، وسيطر الخوف على
المدينة، عكس ما كان زمن صلاح الدين، حيث الأمن والأمان.
ويتابع الشاعر استلهام رؤية من الماضي، فيقول:
أيها الناهض من اوشفتس
لي مثلك قامه
أيها الناهض من اوشفتسلي مثلك هامه
دِيَةُ القتلى على القاتل
لكني دفعتْ !!
ثمّ ماذا؟!
أصبح القاتل صِدِّيقاً
وتنصبّ على رأسي الملامه
مهما تزاحمت الأضاد، فإنها لن تلتقي، والتقاؤها يكون نتيجة انحناء التاريخ
لمجريات الزمن الأقوى، هذه الحالة تعكس طبيعة الظروف الصعبة التي يعيشها
الفلسطيني، وبالتالي نرى كيف تتحول مجريات الأحداث، ويتحول القاتل إلى صدّيق.
ونقف أما المقطع الأخير من القصيدة، ومن خلاله تبرز الكثير من الصور، وأجملها
صورة الفجر الجديد رغم هول ما يحدث:
صلية أخرى
وأخرى
أصبح الصبية أجرأ!!
صلية أخرى
وأخرى
يزحف الأحرار نهرا!!
صرّح الناطق باسم الجيش قال:
- ساد بالأمس هدوء كل ساحات القتال؟!!
ثمّ ماذا؟!
صلية أخرى
وأخرى
صلية أخرى
ويغدو الليل فجرا!!
لقد تعوّد الصبية على هذا الواقع، وأصبحوا أكثر جرأة على مواجهة المحتل، فقد
أخذت الإنتفاضة أبعاداً مختلفة من خلال مشاركة كل فئات الشعب وطبقاته بهذه
الإنتفاضة، ولهذا كان لابد وأن يأتي الفجر رغم طول الليل، وبذلك تتحقق الأمال
والطموحات.
إن القارئ يمكنه أن يخرج بالكثير من العناصر المكونة للنص سواء من حيث البنية
اللغوية، أو من خلال البنية الموضوعية، فالقصيدة ثمرة معاناة صادقة،نابعة من
واقع الإحتلال، وتصوير لمجريات الأحداث خلال الإنتفاضة، والدوافع التي أدت إلى
هذه الإنتفاضة، وقد وظف الألفاظ لخدمة الأفكار، فبانت الصور الموحية،
والإيحاءات المباشرة وغير المباشرة، مستعيناً بالأصوات، والألوان والتكرار،
والجمل الشعرية، والرمزية الشفافة، التي تتناسب مع اللغة التي يستخدمها الشاعر،
وأسلوب الحوار الداخلي، والصور المتقابلة، كل تلك العناصر، ودلالتها أضاف للنص
بعداًوطنياً وإنسانياً.
مع قصيدة" أجمل الشهداء " حيث يبحر بنا الشاعر عبر بوابات متعددة، حتى يصل إلى
ذروة المجد، وعنوان الحياة عندما يغمض الإنسان عينيه بعد رصاصة غادرة جاءته من
غادر:
أغمض له جفنيه
آه
أغمض له جفنيه
وأطبعْ
فوق هامته الأبية قبلتين
يا أكرم الآباء
وازرعْ
في الثرى المخضوب من دمه
لمجد عطائه القدسيِّ
إزْرعْ بيرقينْ
تختلط المشاعرببعضها في مثل هذا الموقف، لكن روح الإباء تبرز فوق أي مشاعر،
فالوطن أغلى، ومن أجله يُقدّم الشهداء، فهذا الأب يُغمض عيني ابنه، ويودعه،
ولكن تظهر علامات الإباء ماثلة من خلال الأسلوب الذي سيق إلينا، والتجلّد الذي
صاحب عملية دفنه في الأرض المخضبة بدمائه.
لا نبالغ إذا قلنا بأن الشاعر يسوق إلينا مشهداً واقعياً يحدث عندما يوارى
الجسد المخضب بالدماء الثرى، فها هو الأب يقبّل عيني ابنه، ويدفنه بيديه، وما
هذا إلا جزءاً من الواجب الملقى على كاهل أبناء الشعب الفلسطيني، وسلوك إسلامي
خالص حتى يسير عليه كل الأباء الذين يودعون شهداء.
هذا المظهر الذي يتكرر شبه يومي، كان ملهم مشاعر الشاعر، وباعث في نفسه مشاعر
الروح الوطنية، بحيث نقل إلينا هذه المشاعر بإحساسه وكأنه والد الشهيد، ولِمَ
لا ، وكلنا أبناء وآباء للشهداء أينما سقطوا.
ولكن الأهم في هذا المقام، يرجع إلى الأسلوب الذي ساقه إلينا الشاعر، فلم نجده
باكياً على الشهداء، ولا منتحباً، وإنما تعامل مع الألفاظ بروح من الشموخ،
بعيداً عن الحزن، ومشاعر الأسى، ولهذا كان وصفه للشهيد، بأنه أجمل الشهداء:
يا أجمل الشهداء
لو ولدُُ يظل، وأغنيه
يا أجمل الشهداء
تمتلئ المدائن
والخزائن
والليالي الآتيه
يستوقفنا في هذا المقطع التكرار، والنداء، وجملة" يا أجمل الشهداء" حيث رأينا
كيف استطاع الشاعر أن يوظف كل تلك المعاني داخل إطار صغير، لكن كل لغة ساقها
حملت الكثير من الدلالات والإيحاءات ذات الأبعاد الإنسانية، وجميعها جاءت لخدمة
المعنى، وموسيقى الكلمة، إضافة إلى أن الشاعر جاس الوقف الشعوري، من خلال
الدفقات الشعورية البسيطة، فهو لم يتعد التفعيلتين في أغلب أسطر القصيدة، ولهذا
جانس اللفظ بالعاطفة بالموسيقى، في إطار من التوجد الفني بين الأفكار.
وأمام الشهيد، وقبل أن يُغلق الأب عيني ابنه، يرى شعاعاً يخرج من بؤبؤ العين،
ناطقاً بكل حواضر الوطن، ومشاعر الإنتماء، وكأنه يقول: الوطن أمانة في عيونكم،
وعليكم مواصلة الطريق، فالنصر سيكون حليفنا:
أغمض له جفنيه
كانت صورة الوطن الحبيب
وديعة في بؤبؤيه
أغمض له جفنيه
كانت شارة النصر المؤزر
تملأ الدنيا عليه
الشاعر لا يسوق إلينا مشاعر فقط، وإنما مبادئ، وثوابت تعيش مع أبناء الشعب
الفلسطيني في حياتهم، ومماتهم، لهذا نراهم يقبلون على الموت، كإقبالهم على
الحياة، من أجل الحياة الكريمة، في مواجهة اغتصاب الحياة، والأرض، والشجر:
السنديانة لي
ويغتصبون بعض الفيء عن رأسي
وبعض العافية
والبرتقالة لي
ويستلبون من شفتيّ
بعض عصيرها
والباطيه
هل من الممكن أن يقف الإنسان صامتاً تجاه اغتصاب الأرض، إن الثورة العارمة التي
اجتاحت فلسطين، من خلال الإنتفاضة ما هي إلا نذر يسير في مسيرة النضال
الفلسطيني لمواجهة اغتصاب الأرض، ولا يقتصر الأمر على ذلك، بل يحاولون اغتصاب
كل ما يمكن أن ينتمي لذات الفلسطيني، أو من الممكن أن ينتمي إليه، نحن أمام
مشاعر ثائرة، ومسببات للثورة واقعية، لهذا كانت الثورة من المخيمات تعبيراً عن
السخط تجاه العدو الذي يمارس لغة غير إنسانية على مقدرات الشعب:
وطلعت من ذلِّ المخيّم مارداً آناً
وأنا أقحوانه
وطلعت من وجع المخيم
فارساً آنا
وآنا بيلسانه!!!
استعان الشاعر بالتشبيهات في إبراز صورة الفلسطيني الذي يواجه الإحتلال،
فالتحدي عنوانه، والشموخ طريقه، والتضحية مبدأه، والنصر قدر حتمي لا محاله، على
هذه الثوابت اعتمد الفلسطيني، فكانت انتفاضته بداية تحول كامل في تكوينه،
وانطلاقة إلى المكان الصحيح، لتصحيح مساره، ولهذا كان التحدي والشموخ، حتى أن "
أنصار " بما كان يحمل من قهر السجن، والسجّان، إلا أنه يعتبر مصنعاً للرجال
داخل دائرة في العراء:
لهفي عليك تصير أنصار ملحمة
وتحترف الرجولة
لهفي عليك
تدق في أنصار هيبتهم
وتعتنق البطولة!!
ينتقل الشاعر من " أجمل الشهداء" إلى معتقل أنصار الذي كان يضم عدداً من
المعتقلين الفلسطينيين يقدّر بالآف في، صحراء النقب، وفي غزة، وغيرها من المدن
الفلسطينية، ومعظم المعتقلين كانوا من أبطال الإنتفاضة، رجالاً ونساء،
وأطفالاً، ومازال الآلاف منهم حتى هذه اللحظة.
وربما تكون الدوافع وراء ذكر معتقل " أنصار " في هذا المقام، على اعتبار أنه
يمثل ظاهرة أوجدت فترة الإنتفاضة، فأراد الشاعر الربط بين كل ما يدور على أرض
الواقع، خاصة وأن معتقل أنصار يمثل مصنعاً للرجال، وصورة من صور التحدي للعدو.
استخدم في هذا المقام اسلوب الحزن البسيط من خلال قوله" لهفي عليك " علماً بأن
الموقف لا يحتمل هذه اللهفة، اللهم إلا إذا كان هدف الشاعر إبراز مشاعر التضامن
مع المعتقل، ولا أظنه كذلك.
وينقلنا الشاعر مرّة أخرى إلى المرتكز الأساس في القصيدة، ‎" أغمض له جفنيه "مع
" يا أجمل الشهداء " قيقول:
أغمض له جفنيه
وأحمل للغد الآتي وصيته الأخيرة
يا شعبنا المعطاء
عبر جراحنا الحمراء
سوف تهلُّ
دولتنا الأميرة
لقد ربط الشاعر هنا الشهادة بإقامة الدولة، وربطه يعني الكثير من الدلالات،
فالدولة التي نريدها، ويريدها الشاعر على كامل التراب الفلسطيني لا يمكن أن
تتحقق إلا بدماء الشهداء، ولا يعني هذا بأننا طّلاب موت، وإنما هذه اللغة هي
التي يخشاها العدو، ويأباها، ولهذا لابد وأن تكون هي الأقرب إلى سلوكنا.
ويتابع الشاعر إبراز الصورة السابقة من خلال المقطع التالي:
يا أكرم الأباء
ينتفض الثرى المخضوب من دمه
على فرح السنابل
يا أكرم الآباء
ينتصر الثرى المخضوب منْ دمه
على أعتى الجحافل
يا أجمل الشهداء حيّ أنت
رغم أنوفهم
وسيوفهم
يا أجمل الشهداء، حي أنت
رغم قيودهم
وجنودهم
يا أجمل الشهداء حيّ أنت
رغم عصيهم
وعديّهم
يا أجمل الشهداء حيّ أنت، حيّ
يا أجمل الشهداء، حيّ أنت
حيّ أنت
حيّ أنت
حيّ أنت، حيّ
إن الولوج في هذا اللون من الشعر المقاوم، يظهر لوناً من ألوان الموت الذي أصبح
جزءاً من تكوين الفلسطيني منذ النكبة، وصولاً إلى الإنتفاضة، وما سيتبعها من
محاولات للمقاومة المشروعة، فالموت بالنسبة للفلسطني ولد معه، سواء كان موتاً
فكرياً أم جسدياً أم روحياً أم عضوياً، فالوطن اغتصب، والأرض ضاعت، والمقدرات
نُهبت، والممتلكات سرقت، فأصبح يواجه الفقر، الذي يمثل جزءاً من مكونات الموت
البطيء الذي يمارس على أبناء الشعب الفلسطيني من طغمة لم تجد من يردعها،
وبالتالي لابد وأن يواجه المحتل تعبيراً عن هذا الإضطهاد من خلال المواجهة.
إن الشهادة من أغلى ما يمكن أن يصل إليه المسلم، لكنها لا تكون شهوة، لأنه لا
يعشق الموت من أجل الموت، ولكن عشقه للموت نابع من شهوته للحياة.
وننتقل إلى قصيدة بعنوان " نحالين " وهي اسم لمستعمرة أقيمت على أراض فلسطينية
كما حدث في كثير من المدن الفلسطينية، ولكن هذا التهويد الظاهري لا يلغي
سيادتها الفلسطينية على الخارطة الفلسطينة، والخارطة الأخرى المحفورة في قلوب
أبنائها:
نحالين
يا ساحة الأنبياء
ويا وردة الجرح
والأرصفة
على يدك القمح والزعفران
وفي صدرك
الهمّ والعاصفه
فمدي لنا لوعة الأرجوان
وردّي لنا
لهفة الأرغفة
نحالين
يا أختنا النازفه
إن ابتعاد الشاعر عن الأفعال بأنواعها، واستخدامه الأساليب التقريرية الخبرية،
نابع من الإلتزام الحقيقي تجاه الوطن.
نحالين
يا قبلة الأوفياء
ويا ملعب الريح والأغنيات
فإما حياة تُسر الصديق
وإما ممات
يزف الحياة
نحالين
يا أروع الأغنيات
نحالين
يا عرق الكادحين
ويا عبق الأرض
والسنبلة
على بيدر يحلم الحاصدون
وفي بيدر
تولد المرحله
نحالين
يا دمعة الجلجله
على تُربك الطهر
يخطو الوليد
ويخطو الشهيد
ويخطو الوجود
نحالين
يا أختنا الساهره
ويا وجع العين والذاكره
على تربك الطهر
يخطو الشهيد
وفي ليلنا تولد الأمنيات
ومن حَالِك الموت
يعلو الشهيد
الشاعر فجّر ذكريات من خلال " نحالين " مذكراً بأيام الطفولة والصبا والشباب،
وصولاً إلى مرحلة التحدي والمواجهة، والشهادة من أجلها، وما اتخاذه من " نحالين
" منطلقاً لفكره، إلا لتكونرسالة إلى أبناء فلسطين، لكن الشاعر هنا لا يريدنا
أن نتذكر فقط، وإنما يطالبنا بالحفاظ على أرضنا، وتراثنا، ولا ننس تلك القرى
التي تهوّدت.
الشاعر يعاني ومعاناة نابعة من ألم الغربة التي لحقت بالمدينة، فالهجمة على هنا
تمثل هجمة على الذات الفلسطينية والوجود الفلسطيني.
ويعيد إلى الأذهان بيت الشعر الذي اقتبسه من الشعر العربي الحديث:
إما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيظ العدى
فهو يعي تماما بصورة الصراع الذي يجب أن يكون عليه مع العدو الإسرائيلي، دفاعاً
عن تشويه التاريخ، ولتجزير الوجه الحضاري الفلسطيني للأراضيي الفلسطينية.
ثم نقف أمام صور متلاحقة من الأفعال الماضية، التي توحي بالأسى والمرار، رغم ما
تحمله من معاني الإباء:
وكانوا النسور
وكانوا البدور
وكانوا الحماه
وكانوا الإباه
وكانوا الرجال
وكانوا النصال
فيا ضربة الغدر
لن تعبري
ويا راية الحق
لن تقهري

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


ريانيه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-14-2005, 10:34 PM   رقم المشاركة : 4
معلومات العضو
ريانيه
 عضو متقدم 
 
الصورة الرمزية ريانيه

 

إحصائية العضو












افتراضي


 

بين الماضي والحاضر رابط قوي، يتجسد في العلاقة بين الصورة التي كانوا عليها،
والصورة التي يجب أن يكونوا عليها، فقد صاغها الشاعر من خلال رابط معنوي، يبرز
صورة التحدي التي تنسل من الزمن الماضي، لترتبط بالحاضر من خلال هذا الرصيد
العظيم، ولابد لليل أن ينجلي، وللحق أن يقهرْ.
وتتصاعد بنية القصيدة من خلال المقطعين التاليين، حيث تبدأ ملامح أخرى للإنتماء
الصادق، والتفاعل مع الأرض، من خلال أسلوب حواري داخلي رائع:
على الدرب دمع
ودم
وشال
وكوفية لا تكلّ السؤال؟!!
نحالين زوبعة العاشقين
وذلّ الطواغيت
تحت النعال
وظلّت حبيبته ناطره
وظلّت شقيقته
حائره
وإذْ أعلنوا
عشقه للتراب
بكت أمه
حفنة من دموع
وقالت:
فدى أرضنا الطاهره
وتتفاعل الأفكار وترتبط الألفاظ بمعانيها، من خلال صور جديدة ترتكز على
الإنتماء والعشق للوطن، فهذه صورة الشهيد ماثلة، وهذا شال ودم وكوفية، ليعلن
بصوت به خشوع أمام المدينة، وصورة الشهيد، وذكريات الماضي، بأننا فدى لإرضنا
الطاهرة.
الشاعر - بصدق - يفتح جراحات المدن والقرى الفلسطينية التي بدأت تذوب بفعل
تراكمات الزمن، ووتقلبات التاريخ، لكنه ومن طرف آخر، يطالبنا بألا نستسلم لهذا
الزمن، وعلينا أن نكون أكثر التزاماً وقرباً وتوريثاً للأجيال القادمة. وهكذا
يتابع الشاعر صورة " نحالين "، لكنه ينحو منحى جديداً من خلال صورة حوار داخلي
بين أب وأبنه:
ووالده
دفقات الحنين
وعاصفة من رياح الغضب
على أول العمرِ
كفُّ الجنون
وفي آخر العمر
سوط اللهب
فيا ولدي
يا ضياء العيون
على عودك الند
ينمو الصباح
وفي جرحك الغضِّ
تزهو الشهب
إن المتأمل في هذه القصيدة يشعر بأصوات داخلية تتجاذب مع بعضها، صوت الغضب،
والكره، وصوت التحدي والإصرار من أجل الأمل الذي نراه يضيئ كالمشاعل في نهاية
كل مقطع.
على شعره
ريحة الإقحوان
وفي صدره
وثبات الزمان
فيا موت
يا لعبة القادرين
ومن دَمِهِ
شعلة المهرجان
تدور معاني تلك الأسطر حول التضحية والوفاء، بعيداً عن الخور والإنكسار،
مستنداً على إرث من الماضي، ومن الموت منطلقاً للحياة.
يواصل الشاعر في هذه القصيدة تصويره مشاعر الحقد ، فيروي لنا من خلال الحقد
والتحدي:
وينتفخ الجند
ملء القبور
ويستعر الحقد
ملء الصدور
هنا عبرت ألف دوريَّة
وظلت نحالينُ
ملء الدهور
وإذا كان الشعر الفلسطيني مليئاً بمثل هذا اللون من القصائد الدامعة، فهذا يعني
علامة اتهام واضحة إلى الصهاينة، الذين يمارسون أبشع صور التهويد للأرض، وتغريب
الفكر، وهذا لا يعني بأن هذا اللون من الشعر الفلسطيني محصوراً بين الحزن
والبكاء، لكن صور الأمل تضييء في كل القصائد تعبيراً عن الأمل:
نحالين
يا أختنا الساهره
ويا وجع العين والذاكره
تمرّ المرارات
والولولات
وتبقى مواويلنا الساحره
فنحالين رمز الأرض الفلسطينية التي اجتثها الأعداء من الأرض الفلسطينية، ولكن
ستبقى ساحة الأنبياء، وردة رغم الجراح، وقبلة الأوفياء، وعرق الكادحين، ويبقى
البناء الفني للقصيدة يمثل منهجاً رائداً في الشعر، ولغة حية تثير فينا كل
مشاعر الإنتماء الصادق للوطن، والأرض حتى تتحقق السيادة على الأرض.
ونقلّب صفحات الديوان، لتضيء " صفد " من خلال أغنية لها، حيث تجلّ فيها كل
المشاعر والأحاسيس المنتمية، والعاطفة الحادة تتناسب مع المدينة بماضيها،
منتظرة عودة الفارس ليفكها من القيد الذي كُبّلت فيه:
يا وطن
كان جدي يفرش الحطةَ
تحت الداليه
وينام
والأزاهير نشاوى والغمامْ
يا زمن
قمة الجرمق كانت عاليه
والدوالي حانيه
ثم مال الدهر غدراً
يا وطن
وامتحنْ؟!!
صيغة النداء مع كلمةوطن، تعبر عن مناداته لكل الوطن، ففيها تعبير روحاني أقرب
للنفس من غيره، ثم انطلق من خلال هذه الكلية التي تمثل الوطن، إلى الجزئية التي
تمثل صفد بما حولها، مقارناً حالها قبل أن ينحني الزمن، وما هذه الإنحناءة سوى
تعبير عن فترة بسيطة، ولابد لها وأن تنهض مرّة ثانية، فقد أظهر من خلال الفعل
الماضي، صورة الغدر التي لحقت بالوطن، وهذا في حدِّ ذاته كاف لإثبات الحق في
الأرض.
لقد وظّف الشاعر الصور البلاغية لخدمة الصورة بشكل عام، من حيث ما للصورة من
أثر في إبراز القيمة الموضوعية، إضافة إلى استخدامه الأسلوب البسيط في التعبير
عن أحاسيسه الواقعية البعيدة عن خيالات التوهم، من خلال استخدامه صورة الجد،
ومن خلال " جميل " الذي نراه في المقطع التالي:
يا جميل الصفدي
هذه الدار التي روّيتها بالعرق
هذه الدار التي عمّرتها بالأرق
يعرض الرسّام فيها صوره
ويشد العازف المجنون فيها وتَرَه
يا جميل الصفدي
ثمّ ماذا؟!
عرّت الشقراء فخذيها
بباب المسجد...!!!
نشعر الآن بظاهرة الحزن، التي لفت مضامين الألفاظ، مستنداً إلى واقع أليم،
ومظهر لامس واقع الحياة، دون أن يكون منتمياً إلى هذه الأرض" عرّت الشقراء
فخذيها بباب المسجد"، لقد أراد الشاعر أن يوقظ العزائم التي بدأت تنهار، والقوى
التي بدأت تضعف، فهي رسالة لإيقاظ العزائم من خلال الإتكاء على الدين الإسلامي،
فربما يكون هذا دافعاً إلى تحوّل سريع تجاه وضع مغلوط، وطارئ على الحياة
الفلسطينية والمجتمع الفلسطينين.
وتتوالى فصول الصراع، والحنين، وتظهر صور أخرى ذات تأثير درامي، يتكئ على وضع
جديد:
يا جميل الصفدي
صارت العين التي رويّتها دمعاً
وروتك انتماءً
مسبحا
تنزف السيقان إغراءً
وصوت الماء ما ظلَّ خريراً
وامحى
يا احتراق الكبد
يا جميل الصفدي
تتعرى امرأة فوق الرخام الصلد
ناراً
وتُجنُّ المقبره
وعلى شاهد قبرٍ من زمان الفتح
وتبكي قُبّرهْ
وتتجدد صورة الحزن من خلال الألفاظ التي ساقها" الدمع -تنزف - امحى - تجن -
تبكي" ويضيف الشاعر لتلك الألفاظ صورة المرأة التي تتعرى، ليحث في النفس أثراً
إنفعالياً قاسياُ، ليكون مردوده إيجابياً على المتلقي، فنحن أمام قهر لا يحتمل،
وعجز بارز، ولا يوجد سوى البكاء في محاولة للتخفيف عن هذا الواقع، وتزداد صورة
الوجع، من خلال الأطلال التي يسوقها في المقطع التالي:
يا وطن
كيف لم يبق لنا غير الدمن؟!!
لقد سيطرت على الشاعر حالة من القهر غير طبيعية، وعجز لا نهاية له، ولكن هل
سيبقى الحال على ما هو عليه؟ أم أ، وتيرة النص ستختلف؟ :
مرّت الدورية السمراء من يومين فوق البلد
يا جميل الصفدي
ساحة" المنزل " سوق بابله
وعلى القلعة رفّت مقلة الدورية السمراء
رفّت مرتين..!!
كانت القلعة بنتاً عربيه
صارت القلعة تهوي الرقص والإغراء
والبيع
وصارت غجريه
ساق لنا الشاعر صورة تبعث على الحزن والأسى، مستعيناً بالتحولات التي طرأت على
الأرض، والتي سببها العدو الصهيوني من خلال تهويد كل شيء، ويمثل هذا المقطع
تعبياًر عن تداخل العناصر بعضها البعض من خلال المتناقضات التي يسوقها،
وبالتالي من الصعوبة بمكان فصل ما يدور على الأرض عما يمكن أن يكون صورة شعرية،
ذات أبعاد وطنية،:
مرّت الدورية السمراء من يومين فوق البلد
آه، يا ريح الندى
والولد
رفّت الدورية السمراء، رفّت مرّتين
ورفّ فوق الروابي ريشتين
فشهق كنعان من شوق، وسوى ساعديه
وبكى الغادون والآتون
من حزن عليه
يا جميل
ظلّت التينة عند العين تينه
والمدينه
لم تزل تبسم في وجه الأصيلْ
لم تزل تبسم لكنْ
بسمةَ الأخت الحزينه
وتتكرر صورة الدورية التي وصفها الشاعر بالسمراء، باعتبارها صورة لمأساة ممكن
أن تحدث، وما أن تمر، حتى تطلق رصاصتين، فيقبل الأرض فلسطيني، عشقاً في مماته
وحياته، وبالتالي عكس إلينا لقطة حية للروح التي يعيشها الإنسان الفلسطيني في
ظل هذا الوضع المأساوي، فتحولت الإبتسامات إلى مأسى، ولكن الشاعر الذي تدرّج
بالنص، يصل إلى مرحلة لم يجد فمن خلال الواقع ما يستطيع من خلاله أن يجد
مخرجاً، لذا استند إلى التراث، والتراث الديني بالذات، فلم يجد إلا" أبا بكر "
ذلك المنقذ الذي يمكن له أن يكون خير مدد، وبغض النظر عن هذه الصورة وما تحمله
من مضامين نفسية، إلا أن تأثيرها عميق في النفس، حيث نجده لم يجد في عالمه الذي
يعيشه من ينقذ الوضع، وكأنه يوبخ المرحلة بكل من يعيش بها، لأنهم لم يهبّوا
لنصرة الأرض:
يا أبا بكر مدد
يا أبا بكر مدد!!
تكرار واجب، يقصد الشاعر من ورائه إحداث الأثر الإنفالي والنفسي، وفعلاً يحقق
الشاعر من ورائه ما يريد، فالأسطر التالية وحتى تهاية القصيدة، تظهر صورة
الأمل:
ظلّ من أطلالهم عقدُُ
وفلّه
صارت الفلة ناطوراً
وصار العقد
في الأزمنة الشوهاء
لا يعرف أهله!!
لقد رحلوا، ولم يبق منهم إلا عقد وفلّة، حتى أن العقد أصبح لا يعرف أهله. هذه
الغربة القصرية التي فرضها المحتل علينا تبرز همجيته، وأصبح الشاعر يتقيأ زفرات
الألم من خلال هذا الحنين إلى الأرض.
ويتابع الشاعر زفرات الحنين والألم من خلال هذه الأسطر:
ظلَّ من أطلالهم لون التراب البكر ملتاعاً
وظلّت سوسنه
وبقايا مئذنه
المصلون وراء الحد شوق للبلدْ
يا صفد
والعصافير التي ما نسيت يوماً رياح الوطن
ترقب العودة كي تغفو بحضن السوسن
ظلّ من أطلالهم بعض الشبابيك العتيقه
والحقيقه
ومواويل ببال الزمن
يا وطني
وإذا كان الشعر الجيد
هذه القصيدة تمثل في الواقع ملحمة بطولية ترتكز على الأرض، وتكاد تكون أشد
التصاقاً بها عندما يقف بنا الشاعر على معطيات الأطلال، واستلهامه للتراث من
خلال شخصية أبو بكر، ورغم أن هذه القصيدة لا تحتمل إلا صورة واحدة هي الصوت
العالي، إلا أن الشاعر استطاع أن يوظف الألفاظ بالهمس العالي، حتى لا تفقد
القصيدة بنيتها الفكرية المتجانسة مع بنيتها المعمارية، ولقد نوّع الشاعر في
توظيف العاطفة من خلال تنويع الشاعر في أفكاره، ليمنح النص تراسلا فكريا دون
إحداث الملل الذي يمكن أن يحدث لو استرسل الشاعر في عاطفته دون تنويع، ولم
يقتصر الأمر على ذلك بل نوّع في الدفقات الشعورية، حتى نجدها وصلت إلى أكثر من
أربع تفعيلات في كثير من المواضع، وأضفى التكرار بعدا نفسياً عميقاً في بنية
القصيدة من خلال إبراز مشاعر الشاعر، وتوظيف رؤيته بكل أبعادها.
لقد حشد الشاعر الكثير من الصور الموحية، فاستعان بالألوان تارة، والأصوات،
تارة أخرى، وغيرها من الصور الموحية والحية والناطقة، مجسداً في بعض المواضع،
وباثاً روح الحمية في النفوس، كل ذلك خدمة لبنية القصيدة الموضوعية.
وتتمثل في القصيدة التالية التي تحمل عنوانا ذا انعكاس نفسي ربما يكون مشابهاً
لبعض العناوين السابقة، لكن المضمون هنا يقف بنا أمام غربة معنوية للوطن من
خلال " يا بلادي":
صاحب البيت في بلادي غريب
والوجوه السمراء شيء مريب
والزنزد التي أفاضت نماءً
في عروق الجبال
وهمٌ كذوب
وعيون رعت تراب بلادي
ألف عام
تطاوُلٌ مسبوبُ
وحكايات جدّتي عن صباها
غصّة مرّة، وعود كئيبُ
وخطى جدّي الثقال
على قارعة التاريخ
اعتداءٌ رهيبُ
وابتسام الحقول ليل مرير
والوليد الجديد
يوم عصيب
والغريب، الغريب
من آخر الدنيا
حبيب إلى الديار
يؤوبُ؟!!
إن أقسى ما يمكن أن يواجهه الإنسان في حياته، هو الغربة الروحية عن الأرض
والوطن، ويصبح صاحب الأرض غريباً والمعتدي صاحب حق، هذه المعادلة التي لا
يمكنها أن تخرج بنتيجة ما، لابد وأن تكون مغلوطة، وجاءت نتيجة تزييف للواقع،
فالشاعر يظهر لنا بأسلوب في غاية من الألم والندم، من خلال الذكرياتالجميلة
التي راحت أدراج الرياح، بعد أن قام المحتل بقتل الحب داخل المدينة، وداخل
النفس. وقفة الشاعر هنا على عتبة التاريخ، جاءت لتصوّر لنا كيف أصبح صاحب
البيت، والعيون التي رعت الوطن، والحكايات التي نسجتها الجدة، وخطوات الجد على
قارعة الطريق، وابتسامات الحقول ذكريات فقط، إن الشاعر لا يسوق لنا هذا كلاماً
مجرداً، وإنما يتضمن الكثير من المعاني والدلالات التي يجب أن تربطنا بالأرض
ارتباطاً وثيقا، فهو لم يذكر حكايات الجدة أيام الصبا، دون أن يقول لنا من طرف
آخر، بأننا نعيش على هذه الأرض منذ أزمان بعيدة، وكذلك خطوات الجد الثقيلة،
توحي بهذا المضمون أيضاً، فنحن أمام إيحاءات ذات انعكاس إلى الماضي بما يحمل من
التصاق الإنسان الفلسطيني بأرضه، وما يحدث حالياً إنما يمثل انحناءة في تاريخنا
المليء بالإنتصارات.
لقد فتح الشاعر أمامنا ذكريات كثيرة، تتصل بالأرض وترابها من خلال ما ساق إلينا
من معاني تصل إلى درجة السمو الفكري، فهو هنا يتكلم عن بلاده، ومادام الأمر
كذلك، فلابد وأن يكون أسلوب الشاعر يتجانس مع هذا الموقف، سواء كان متصلاً
بالذكريات، أم كان بالأحداث التي تدور، كما رأينا في قصائده السابقة، فنحن أمام
شاعر يعرف كيف يستعين بالألفاظ المناسبة للتجربة، بعيداً عن المرموز التي تصيب
المعنى بالعمى. ثم يواصل الشاعر رحلته مع بلاده:
يا بلادي
أنا هنا منذ بدء البد
أنشودة، وحلم رطيب
يا بلادي
قد نوّر اللوز في عينيّ
دهراً
وغرّد العندليب
واستتفاق الليمون كل صباح
في فؤادي
وأغرقتني الطيوب
وعروق الزيتون ملء عروقي
والفضاء الرحيب
صدري الرحيب
سمرة الراح، والتراب
وخديَّ
التزام مقدّرٌ مكتوب
ويصر الباغون أني غريب
ويصر التراب أني القريب
عندما أراد الشاعر أن يقرر أحقيته بالأرض والوطن استعان بالأساليب الخبرية
والإنشائية المتنوعة، فهذا أسلوب إنشائي للنداء، وآخر خبري يقول، أنا هنا منذ
بدء البدء، وهذا إيحاء كما نرى بعدم أحقية من يدعي أن الأرض له، بأنها ليست له،
ورغم إصرار الباغون بأنني غريب، فإن اللوز، والعندليب، والليمون، والزيتون،
والتراب يقول : بأنك القريب، وبأنك صاحب الأرض، هذا الإلتزام المنهجي من
الشاعر، صاحبه إلتزام من الطبيعة تجاه الفلسطيني، بأنه صاحب المكان، وقد كان
لهذا التجسيد المعنوي أثره في تقوية بنية المعنى من خلال الأفكار التي ساقها
إلينا.
إن هذا اللون من الشعر بمعناه البعيد، يعتبر نوعاً من النضال والمقاومة ل يمكن
أن تنتهي إلا بانتهاء المسبب، الشاعر هنا يبرز الترجمة الحقيقية لسلوك
المعاناة، والشد والمد بين صاحب الأرض، والمعتدي على الأرض، وسوف نرى أيضاً بأن
الشاعر يمضي من خلال هذه القصيدة في إبراز صورة المعاناة:
يا بلادي وينزف الجرح دوماً
ويعزّ الدواء، والتطبيب
تعب الموت من سباق الضحايا
والأشقاء
سارق، وكذوب
أتقنوا الذل صاغرين
وأمسوا
يخجل النوح منهم والنحيب
عدد الرمل أمتي
وأعاني
وحشة الفرد، والأعادي نيوب
عندما انتقل الشاعر ليصور الجرح النازف، والأمة العربية لا تحرّك ساكناً، يصاب
بثورة داخلية، حتى وصل به الأمر إلى التهكم على حال الأمة، ورثاء لحالها، لقد
ساق إلينا صوراً موحية من خلال الألفاظ التي تعكس الواقع" ينزف، الجرح، الدواء،
التطبيب، الموت، الضحايا" وصورة أخرى تنتسب إلى الأمة العربية" سارق، كذوب،
الذل، صاغرين، النوح، النحيب،" ثم صور ثالثة تتعلق بالعدو" الأعادي نيوب" لقد
وظّف كل صورة من الصور السابقة بما يتناسب مع الموقف الشعوري، والشعري،
وبالتالي نقل إلينا صورة عامة للتجربة، بعيداً عن الخيالات، مما مكن العاطفة
بأن تظهر من خلال المعنى بتجانس موازي للألفاظ.
إن سخونة المشاعر التي برزت في الأسطر السابقة، توحي إلينا بنقمة الشاعر،
وتألمه الشديد لما يرى دون أن يكون لما يحدث من تأثير على الأمة العربية، الذين
وصل عددهم كعدد الرمل!، أي معاناة روحية هذه، وأي معاناة جسدية وفكرية سيطرت
على الشاعر حتى وصل به الأمر إلى حالة التشاؤم.
ويتابع الشاعر عرض الصورة من زاوية أخرى، ترتكز على الشوق والحنين:
أيها الصبية المغيرون شوقاً
يشتهي الليل خطوكم
والروب
أيها الصبية المطلون فجراً
تفرش الأرض حضنها
فاستجيبوا!!
نشعر مع الشاعر بهذا الحنو من الأرض، من خلال رومانسية واقعية ترتكز على
العلاقة بين الأرض والفلسطيني، وهاهي الأرض تفتح حضنها إليكم، وما عليكم إلا أن
تقبلوا عليها.
دعوة خالصة من الأرض أبرزها الشاعر من خلال هذا الحوار الذي استهلّه بالنداء من
أجل تقريب المعنى فالأرض لا تشتهي غيرنا، ولا تعشق غير مُلاّكها الشرعيين.
وتابع الشاعر رحلة الوطن ليبرز شدّة الألم:
يا بلادي، تململ الدهر عنا
وتلوّى من همنا
أيوب
حمّلوا الطهر موبقات البغايا
واستغاثوا
وحقي المسلوب
وأباحوا هويتي وانتمائي
وتباكوا... ورأسي المعصوب
أوجع الشوك هامتي وانتصابي
وفؤادي، في الجانحين
يلوب
فأفاضت مرارة الآهِ
كأسي
وتدجت في مقلتيَّ الخطوب
يا هناء الزمان كيف تولى
ورجاء الزمانِ
كيف تخيب؟!!
تعامل الشاعر في تلك الأسطر السابقة مع أفكار تندرج جميعها حول وصف صورة
المعاناة حتى وصل به المقام إلى " أيوب " عليه السلام، الذي يوصف بالصبر على ما
حلّ به من مرض، ولو عاش في هذا الزمن لما تحمل الألم الذي يقع على أبناء فلسطين
من أعدائهم، إنها لفته تدل على قسوة الأوضاع الإجتماعية والفكرية التي يسببها
العدو إلى أبناء فلسطين.
لننظر إلى الشاعر كيف ساق إلينا أساليب القمع من استباحة للذات، من أجل خلق
واقع جديد على الأرض، ومن خلال هذا الواقع يهمشون الفلسطيني، ويصبح كأنه غريب
عن الديار.
لننظر إلى تلك المعاني التي ساقها إلينا، حيث أظهر كيف أن الأرض ملكت على
الشاعر فكره، ولبّه، وجعلته لا يبعد عنها، لكنها تمثل بالنسبة إليه صراعاً لا
ينتهي، وحالة من الأرق والأمل تجذبانه، لكن في النهاية يقف الحق شامخاً أمام
هذه التحديات، وتتوالى فصول الصراع من خلال القصيدة، فتعلو نبرة الحزن تارة،
وتعلو معها عاطفة الشاعر، وتبرز مشاعر الحنين تارة أخرى، إلى أن يقول في المقطع
الأخير من القصيدة:
يا بلادي يا رحلة من عذابٍ
كيف يحلو لديهم التعذيب
شددوا القيد في يديّ
وقالوا
همجي، غرامه التخريب
وأفاضوا على جراحي ناراً
وسكاكين
حدُهن الهيب
يا بلادي ومحنتي، ومصيري
ذبح عينيك عمري المنهوب
ويصرّ الباغون أني عدوّ
ويصر التراب
أني الحبيب
إننا أمام شاعر ومشاعر، أمام أرض ووطن وشعب، ولسنا أمام تجربة فردية، ولا أمام
تقرير لوضع، وإنما أمام دفقات نفسية أليمة، تختزن داخلها معاني حزينة، تتمدد
لتشمل الوطن كلّه، ترابه وسهوله، ولكن رغم اللهيب والسكاكين والمحن والمصير
والعدو، إلا أن التراب الحاني، يقف مدافعاً عن كينونة الإنسان، ويصر بأنني
الحبيب.
ومهما يكن، فإن المجال لا يسمح لنا بوضع النقاط على الحروف، كي نفي القصيدة
حقّها من كافة النواحي، ولكن الذي يمكننا قوله في هذا المقام، بأن القصيدة تمثل
رحلة في أعماق الوطن، حيث جال الشاعر بفكرنا عبر مسافات بعيدة من أجل إبراز
صورة الصراع المستمر مع العدو، ومن الصعوبة بمكان أن يذكر شاعرنا الأرض، أو أي
شاعر إلا ويمزجها بالألم والحزن وبالفلسطيني، لأن الأرض والحزن صنوان.
وفي قصيدة " أغنية إلى ولدي لؤي.. ولكل أطفال العالم " منطلقاً متميزاً، فكرة
ومضموناً، فالقصيدة نظمت عام 1978 فترة الهجوم الإسرائيلي على الجنوب اللبناني،
فاتخذ من ابنه مرتكزاً ليوصّل رسالة إلى أطفال العالم:
" لولو " في الشهر العاشر من عمره
خدّاه حرير
ويداه حرير
اللوز ينوّر في عينيه
والورد يفتح في ثغره
" لولو " يا ولدي
يا " لولو "
آ .. آك غناءً وهديل
وينتقل الشاعر إلى تصوير حال أطفال العالم:
يا أطفال العالم
لولاكم
كان العالم منفى
أو مستشفى
دادي..مشىً.. مشىً
دادي.. كعك محشًّ‎َى
دادي
يا نواره
سبقتنا أولاد الحاره
" لولو" يتحمم في الشرفه
يا فرح الشمس
تتوثب في صدري اللهفه
وتدرُّ، تدرُّ، تدر الكأس
" لولو " .. والشرفة عصفوران
وأنا بحنيني سكرانْ
الشاعر يبحر في الذات، مستعيناً بما يوحي بالبراءة في بلورة الأفكار، ونسجها
عبر هدهدات الأطفال، إلى أن يصل إلى حالة من عدم الإتزان، ثم يتخذ من صوت
الطائرات التي تفض جدار الصوت في بيروت، لغة الموت التي تصحبها الطائرات من
خلال الموت الذي تحمله معها، إلى أن يقول:
الغول يلوّح بالنبوت!!
يا أطفال العالم
" لولو " يتجمد كالعصفورْ
طفلٌ.. في الشهر الثاني من عمره
في المنفى الرابع في الدامور
تفقأ عينه رصاصات
والموت يعشش في صدره
في المنفى الرابع، في الدامور
الغيمة تمطر موتاً عنقودياً
ناراً عنقوديه
تمطر ويلات وثبور
والطياره ليست مرميه
آه..يا وطناً يمحوه قزم موتور
من فوق الكرة الأرضية ؟!!
إن الظروف القاسية التي يعيشها الشاعر في الأرض الفلسطينية المحتلة، والإعتداء
الغاشم على الجنوب اللبناني، وممارسة الطائرات هوايتها المعتاده في الحنوب
اللبناني، وما تحدثه من قتل للحياة، باعتبار ذلك مصدراً آخر من أحزانه، كانت
الدافع وراء هذه القصيدة، متكئاً على ابنه، ومن خلاله إلى أطفال العالم.
وإذا كانت أيدولوجية الفكر تبرز في هذه القصيدة" ولدي يا ماجد" حيث تمثل حلقة
مع القصيدة السابقة، فهي تتمحور حول علاقة الإنسان بالواقع المؤلم، وكيف
للإنسان أن يواجه هذا الواقع، فالشاعر يربط من خلال توافر الإمكانات الفكرية
لدية، بكثير من المأسي التي حدثت للشعب الفلسطيني سواء داخل الوطن، أم خارجه،
فقد انطلق الشاعر بلغة حادة وقوية تتناسب مع الموقف الشعوري، ولننظر إليه من
خلال الألفاظ التي تحمل المضامين الكثيرة، متخذاً من الصورة مرتكزاً لإيضاح
المعنى، ويلجاً أحيانا إلى الترميز الذي لا تعوزه معاجم، أو يخرج لدائرة
الطلاسم، وبالتالي ساق إلينا تلك القصيدة المطولة قياساً بغيرها من الديوان،
بلغة تصاعدية متجانسة مع الأفكار:
ظل الجزار هو الجزار
من شرم الشيخ إلى عكار
ظل السكين هو السكين
من رحم امرأة حُبلى
في حارات القدس
إلى أعناق الصبية في شاتيلا
وبطون المسحوقين
ظل السكين هو السكين
يتبدى لنا بأن الشاعر رغم عمق المأساة قادر على تتبع هذه الجريمة، فمن القدس
إلى " شاتيلا" حيث حدثت ممارسات لا إنسانية، ومورست أبشع الجرائم في تاريخ
البشرية ضد أبناء فلسطين، فلم يقتصر الأمر على ما يحدث في فلسطين، بل لحقتهم
المعاناة إلى خارج الوطن، إننا نشعر من خلال الأسطر التي ساقها مرارة تغص
الحلق، ومرارة تكاد تصل إلى حد طعم الصبّار، ولا نعلم ما السبب، هل قدر
الفلسطيني أن يمتزج مع الدم، والسكين الباردة التي تنحر في جسده دون أن
تقتله،بل تجعله يعيش الألم حتى يقضي من خلاله على كل الآمال والطموحات.
يا أصحابي
لولا الصدفة كنا من بين المفقودين
يا أحبابي
لولا الصدفةُ
كنا من بين المذبوحين
من خلال حوار داخلي يبرز الشاعر كيفية نجاته من الموت، والتي اوعزها للصدفة،
ولكن الشاعر أراد أن يوضح ماذا يحدث داخل المخيم، وكيف يمارس العدو تعامله مع
الأبرياء، إن أبسط الطرق للموت عنده، هي الذبح. ثم نتابع معه صورة هذا الصراع:
كانوا خمسة
كانوا الأنشودة والنجوى
كانوا الغرسه
أربعة ذُبحوا يا ولدي
في تل الزعتر
والخامس سُحقت هامته في صبرا
أحذية العسكر
ولدي، يا أحمد، يا محمود
ذبحونا، لكن، سنعود
ولدي يا منعم
يا نصار
من بعد الليل يطل نهار
يا خامسهم يا عبدالله
الموت حياه
الموت حياه

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


ريانيه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-14-2005, 10:36 PM   رقم المشاركة : 5
معلومات العضو
ريانيه
 عضو متقدم 
 
الصورة الرمزية ريانيه

 

إحصائية العضو












افتراضي


 

الموت والحياة لغة واحدة تمتزجا مع بعضهما، فالخروج من بوتقة الموت للحياة،
يكون من خلال الموت نفسه، فالشاعر أظهر صورة واقعية من خلال ما حدث في تل
الزعتر، حيث ذبح أربعة منهم أحمد، ومحمود ومنعم، ونصار داخل المخيم، وخامسهم
عبدالله في صبرا، وما أن تُذكر" صبرا " حتى يتذكر الإنسان كيف حُلل أكل لحوم
الحيوانات زمن المأساة.
نشعر هنا بأن الشاعر يتجرع المأساة بكل ثقلها، ولكن هل يمضي الشعب على هذا
الحال، وهل يستسلم لما حدث؟
يا ميمونه
يا بنت الخمس
يا ليمونه
حملتها الريح إلى صبرا
من يافا القدس
يا ميمونه
ستظل الشمس
وتظل القدس
وتظل الطفله ميمونه
رغم الطعنات المجنونه
رافعة الرأس
هذه الصورة التي أبرزها الشاعر توحي بعدم الإستسلام رغم الجراحات النادبة،
والطعنات الباردة التي مازالت تدمي، وهي في الواقع تعبير عن التحدي والشموخ،
رغم الإغتراب والمنفى، واغتراب الجسد في بئر سحيق،ونقف هنا أمام صورة أخرى من
صور التحدي والشموخ:
جربنا الميته بالنابالم
فليحيَ الأنكل
أنكل سام
جربنا الميته بالساطور
عاشت أمريكا
بلد النور
جربنا الميته بالرشاش
عاش" الكابوي " الأوباش
جربنا كيف يموت الشيخ، وكيف يموت الطفل،
وكيف تموت المرأة ذبحاً بالسكينْ
جربنا كيف يصير القبر الواحدُ
قبراً للخمسين،
وقبراً للستين
وقبراً للتسعين
يا طيارات السفاحين
وجرافات السفاحين!!
صور الإدانة التي ساقها الشاعر في الأسطر السابقة، تظهر صور الموت التي مورست
على الفلسطيني بأساليب مختلفة ومحرمة دولياً، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل
نجد بأن القبر الواحد صار لأكثر من مئة شخص، وهذا إيحاء بكثرة الموتى، وعدم
القدرة على دفنهم فرادى، فلم يكن سوى الحفر الكبيرة لتجمع رفاتهم.
يا سيدة البيت الأبيض
هل حدّثك الساحر عما يجري في بيروت؟!
الضوء يموت
والماء يموت
والأمريكي هو الطاغوتْ!!!
رسالة إلى البيت الأبيض باعتبار أن الضوء الأخضر قد أعطي من هناك لممارسة
فعلتهم الدنيئة على الشعب الأعزل، يكشف فيها الشاعر كيف يعتمد البعض على
المنجمين للتعرف على المجهول، في العالم، وبصورة المستهزئ يخاطب هذا الفكر، هل
أنتم تعلمون بما يجري في بيروت من قتل للروح، والحياة؟ وهل خبّركم ذاك المنجم
بما سيجري؟، وحتى لو أخبركم، فإنكم لا يمكنكم أن توقفوا ما يجري، لأنه يصب في
مصالح الوطن القومية!.
الشاعر يعيش حالة من هستيريا الفكر، ولكن قدرة الشاعر على خلق توازن بين ما
يحدث، وذاته مازالت هي المسيطرة عليه، لأنه لا يمكنه أن يفقد هذه القدرة في مثل
هذا الموقف، فمعطيات الواقع رغم هولها، لا يمكنها بأن تؤثر على اتزان الفكر
داخل إطار النص.
ويواصل خطابه إلى سيدة البيت الأبيض بصورة يظهر فيها تهكمه:
يا سيدة البيت الأبيض
هل حدّثك السحر كيف احتضنت
أمّ في شاتيلا طفلتها
في وجه الجرافات
ووجه الرشاشات
وهل حدّثك الساحر كيف الصدر
يصير القبر
والأمريكي وليُّ الأمر
يملأ أرجاء الشرق الأوسط بالآهات
وبالأموات
يا سيدة البيت الأبيض
والأمريكي يعربد في كل الساحات
وينكل في كل الساحات
المعاني والمشاعر والأحاسيس تتجاوز كل العواطف، وكل القيم النبيلة إلى ما هو
أسمى إن وجد، ولكن هل هذا ما تشعر به سيدة البيت الأبيض،؟ وهل يشعر به الداعون
إلى الحرية وحقوق الإنسان؟ إن كل ما ساقه الشاعر يخاطب مشاعر النبلاء، ومشاعر
الآدميين، ولا يخاطب من يدوس على العالم من أجل مصالحه، فسوق الشاعر لهذا الوقف
لإظهار ما وصلت إليه همجية القتل في الأطفال والشيوخ والأمهات دون رحمة أو
هوادة. هذا الموقف لا يتطلب من الشاعر إدانة موقف واحد، وإن كان له اليد
الطولى، فالأمر يتعلق بآيادي كثيرة معروفة وغير معروفة، يستحقون اإدانة بكل
صورها.
وفي الأسطر الأخيرة من القصيدة، يحاول الشاعر _ كعادته _ ألا تكون هذه هي
النهاية، بل الحياة المقبلة قادرة على الرد على ما جرى:
- يا أبناء الأرض المشدودين إلى شاشات التلفزيون
- هنا بيروت الغربية
وهنا مرت
عربات الجند الهمجيه
وهنا حطت
غربان العصر الحضريه
يا سيدة البيت الأبيض
لكنا مثل شعوب الأرض جميعاً
نعرف كيف يكون الثأر
ونعرف كيف يكون النصر
وكيف تكون الحريه
رغم العربات الهمجيه
وذئاب العصر الحضريه
ورغم مرور أكثر من عقد على المجزرة، إلا أن الحنون مازال ينبت في " صبرا
وشاتيلا "وبيروت الغربية التي كانت دار الفلسطينيين في المنفى المؤقت، ونقطة
تجمع لمعظم المسلمين اللبنانيين الذين يساندون الثورة الفلسطينية، وكل المخيمات
الفلسطينية والمدن الفلسطينية، ليذكرنا بالشهداء من الأطفال والحوامل والشيوخ،
ومن خلاله يحملنا أمانة الرد، وأمانة الوطن، فهل نحن على العهد سائرون؟
وللأمانة حافظون؟
إن المواجهة المباشرة مع العدو هي السبيل الوحيد للثأر الذي دعا إليه الشاعر،
فقد تناول الصورة الحقيقية، واللغة التي يفهمها العدو لكيفية التعامل معه، لهذا
فإن ما يدعون إليه اليوم ما هو إلا مرحلة من مراحل النضال التي تتطلبها ظروف
المرحلة التي سبقت الوضع الجديد عربياً وإقليمياً ودولياً، لكن معطيات الزمن،
والماضي بما يحمل، والتراث بما يحمّل، لم يتعامل مع العدو بصورة المهادنة بأي
صورة كانت، لهذا فإن الثأر الذي ذكره الشاعر هو الطريق الأمثل للرد على ما جرى،
ويجري.
إن حشد الشاعر لعدد من الصور البلاغية، والإعتماده على الصور الحسية في توصيل
الفكرة، كان هدفه الإقناع والتأثير، رغم أن الحدث لا يحتاج إلى إقناع، والحنون
مازا منوّراً، هذه الصور الحسية التي ساقها إلينا، تحوّلت إلى انفعالات داخلية
هزّت كيانه، مما كان لها أثر في بنائية النص بشكل عام، شكلاً ومضموناً. فالشاعر
لا ينقل، ولا يصوّر، بل يبني، وبنائية اللغة هنا نابعة من مكونات حسيّة،
وبلاغية، قائمة على الإلتزام، والثورية، والوطنية، لتبقى القصيدة منذ اللفظ
الأول لها، وحتى الأخير منها، ترتكز على التفاعلات والوثبات، والذكريات، وربطها
ببعضها، وهذا طبيعي جداً في موقف كهذا، من أجل إثراء النص فكراً، ومنحه القيمة
الفنية لغة.
وننتقل بعد هذه القصيدة المتميزة فكراً ومضموناً ، إلى قصيدة بعنوان " بيروت "
حيث يدور النص حول الجراحات الجديدة التي أصابت الجسد الفلسطيني، وفي الناحية
الأخرى الخوار العربي، حيث برزت خيانات، ومارقون، وسماسرة وطواغيت، ورغم ذلك،
فإن المدينة رفضت أن تُسبى، لأنها أرض الحضارات، والبطولات، والقصيدة تحكى قصة
الجرح الجديد الذي أصاب المدينة، وبقي ينزف إلى الرمق الأخير، واستطاعت بيروت
بما تملك من رصيد حضاري، وإرث تاريخي، أن تضمد جراحها بنفسها وسماسرة الدماء
غير واثقين من قدرتها على النهوض مرّة ثانية، لكنها استطاعت أن تدمل الجراح،
وتقف صامدة أفضل مما كانت عليه، ونحاول في هذا المقام أن نتخير بعض الأسطر التي
ساقها الشاعر من خلال هذه القصيدة:
بيروت... أنزف من جرحي
ومن خجلي
وتصمدين على الأشواك في المقل
يا أخت صنين يبكي في يدي قلمي
ويخرس الحرف
في دوامة الدجل
كل الخيانات شدٌ في مدى عنقي
والمارقوت اكتظاظ في مدى نُزُلي
آليت ابصق في وجهٍ بلا شرفٍ
أعييْت
كل وجوه العار من جَبَلي
مشاعر إنسانية، ورهافة حسٍ تميز بهما الشاعر، مع بكاء داخلي دامي، أبرزتها
الألفاظ التي ساقها، مستعيناً بكل ما له انعكاس من داخل نفسه على الكلمات،
فجاءت الأسطر تحمل حزناً يُحمّل من خلاله البعض مسؤولية ما يجري، ولا نبالغ إذا
قلنا بأن الشاعر مصيب فيما ذهب إليه، فكثير ممن يُظن بنزاهتهم شارك بطريق مباش
وغير مباشر فيما جرى لهذه المدينة التي صمدت في وجوه الغزاة منذ قرون خلت، لهذا
كان بكاء الشاعر قوياً ومؤثراً، لكنه لم يصل إلى درجة النحيب، وإلا فقدت
القصيدة معناها وإبداعها.
وفي موقف آخر يظهر الشاعر الصورة الحقيقية للأمة العربية تلك اللحة، وما أشبه
البارحة باليوم:
يا أمة حزنت من جبنها أممٌ
ماذا أقول؟!
وأي البِّ لم يُقَلِ
الصامتون نعامات مدجنة
والناطقون..عواء الذئب في الدغلِ
والراطنون بظل الأرز.. واحزني
والساقطون بظل الأرز..واخجلي
يستفحل النفر الفاشست
في نزقٍ
بيروت لو لم تكوني ثورة ولظىً
لكان رفضك أن تُسْبَىْ
جني العسل
يحمل الشاعر المسؤولية الكبيرة للخرس وهم ناطقون، وللصم وهم سمّاعون، وللعمي
وهم ناظرون، ويقصد بذلك الأمة العربية في تلك الفترة، إلى أن يقول:
صار الصديق عدوا من حماقتنا
وأتقن الذئب إفكاً
لعبة الحمل
يا طغمة ركعت دهراً وما تعبت
هذا أوان رجال الجدِّ
فاعتزلي
وتبقى بيروت أرض الحضارات، ولهذا فإن رصيدها يمثل جداراً لا يمكن أن يزال، ولذا
كان الصمود والتحدي:
أرض الحضارات، أنت الحرف منزرعاً
على الشواطىء
من إشراقة الأزل
حملت فوق شفاه الموج أغنية
من الضياء
وأخرى من سنا الأسل
واليوم صرت أساطير ملونةً
وقبلة الثائرين المردِ
فاغتسلي
إلى أن يقول في الأسطر الأخيرة من القصيدة، حيث اتكأ على بيروت من خلال التكرار
الواجب:
بيروت يا حلوة تبكي، وألْمح من
تحت الدموع بقايا الحسن والكَحَلِ
بيروت يا عزمة في الشرق عاصفة
ويا انبثاق الرؤى
في عتمة الطلل
بيروت، بيروت، يا حبي ويا وجعي
لابد تزهر يوماً غرسة الأملِ
الشاعر يحاول ألا يجعل من النص مجرد بكاء وعويل، ووصف للأحداث، وتحميل
للمسؤوليات، لكنه يحاول إبراز هذه المذبحة لتكون منطلقاً للتحدي والصمود، ليس
لإبراز صورة الشعب اللبناني فقط، وإنما رسالة لكل الشعوب التي تقاتل وتناضل من
أجل الحصول على الحرية، فكيف استطاع هذا الشعب أن يضمد الجراح الغائرة وحيداً
ودون مساعدة أحد،؟ أليس هذا حافزاً مثلاً للشعب الفلسطيني للتحدي والواجهة من
أجل ما هو أسمى!.
أما القصيدة الأخيرة من الديوان، فهي بعنوان " بضع كلمات إلى أبي سلمى" تبرز
جزءاً من ذاتية الشاعر، ورهافة حسّه، وانطلاقة من خلال إبي سلمى، الشاعر
الفلسطيني المتميز، إلى رحاب الوطن والأرض، وإلى المعاناة والضياع والألم، وإلى
الحنين والشوق إلى كل المدائن الفلسطينية، من خلال ما يكتنزه داخل ذاته، فيتخذ
منها معبراً وجسراً لتلاقي الماضي بالحاضر، لعل الحاضر يسير على نهج الماضي:
عندما تزهر في حطين ورده
وعلى السفح الذي روّى صلاح الدين أفراحاً
تغني قبّره
يا أبا سلمى، أصلي
عله يسترجع الزيتون مجده
وعل الشط الذي يمتد من بوابة العار إلى مستنقع البترول
يروّي سيفه ذات نهار عنتره!!!
البكائية التي يسوقها على قبر"أبي سلمى " هي بكائية على ما وصلت إليه أحوال
الأمة العربية من تراجع ومهانة، حتى وصل الأمر بالشاعر إلى الإستنجاد بالماضي،
وبالتراث، وبالشخصيات الأسطورية في محاولة لإنقاذ الوضع المأساوي الذي وصلت
إليه الأحوال، فما كان منه إلا أن تعامل مع الموقف الأليم بلغة قاسية، تبرز
الصورة الحقيقية لهذا الوضع، أو بمعنى آخر توافق الحال لمقتضى الحال فكراً
وأسلوباً، وعاطفة، فمنح القصيدة مشاعر الحزن التي تتجانس مع هذا الوضع، بلغة
بعيدة عن معاجم التفصيح ، فبرزت الفكرة واضحة وضوح الألفاظ. ويتابع الشاعر عرضه
لهذا الوقف من خلال هذا العصفور:
رحّلوا الدوري
وظلت خيزرانه
أتعب الترحال منقاري
وما خنت الأمانه
ولننظر إلى لغة العشق والحنين الذي يكتنز في معانيه الحزن المعتق:
إنني أشتم فوق القبر في حضن دمشق الأمويه
ريحة الليمون من يافا
وحزن البرتقال
يا أبا سلمى
وفوق القبر من نابلس عطر المريميه
يا أبا سلمى
ومن عكا
مشاوير وشالْ
هذا الشوق الجارف، والحنين اللامنتهي، يجعلنا نتفاعل مع هذا الحس المأساوي لدى
الشاعر، فهو يخرج من ذاته إلى ذات الآخرين في إبراز رحلة الغربة، فيعتصر قلبه
شوقاً إلى يافا وليمونها، ونابلس وجبالها ومرمريته، وعكا وغيرها من المدن، كل
ذلك بعث في النفس ألماً قاسياً، وسيبقى هذا الألم إلى أن ينتهي هذا المسبب.
ويواصل الشاعر عرض هذه الذكريات المتلونة بألوان مختلفة يغلب عليه السواد:
أيها العاجن من شوق الوراعي رئتيه
ضيعت يافا من الخوف الجديله
لو درى الشاطيء كم تهفو إليه
لانثنى الموج
وما روّى غليلهْ
جدّتي كانت تصفي الزيت ذي ذات مساء
سمموا الزيت وقالوا..
العاصفة
وبقيتم يا أبا سلمى
بقيتم شرفاء
نمّق العسكر آلاف الحكايات وولوا
بقلوب واجفه
يا أبا سلمى تذكرْ
عسكرُ في دبْرِ عسكرْ
يا أبا سلمى تذكر
كنتم الصوت الذي يصرخ في الصحراء والناس نيام
والجراحات عيون نازفه
يا رفيق الدرب... ما ظلّ نيام
صارت الصحراء واحات، وصارت وارفه
والرفاق السمر قادوا العجله
ثم صاروا البوصله
وتبرز القيمة الفنية لتلك الألفاظ المعبرة من خلال القيمة الموضوعية التي ساقها
الشاعر، ليعبر عن هذا الموقف، ولننظر إليه في هذه الأسطر كيف استند إلى الحق
والعدل في إبراز هذا الموقف:
شدَّدو القيد ودقُّوا في الجبين الشهم
آلاف المسامير، ودقّوا
لم يمت دين، وفي ناصية الديان
يستنفر عرقُ
واسألوا التاريخ
هل مات، على التاريخ، حق
الغربة عن الوطن، موت يمارسه أبناء فلسطين يومياً، ولننظر إلى الطيور كيف تبكي
فراق القدس عند الشاعر، فكيف يكون فراق القدس القصري عند الإنسان؟ وكيف يكون
فراق أريحا وعكا وحيفا، وعندما يعجز الإنسان الفلسطيني عن الوصول إلى الوطن،
نجده يعيش حياة صعبة:
أيها الجوال فوق الوجه من بحر لبحر
رفّ من يومين فوق القدس
طير النورس
فاكتوى من لوعة الهجران والنكران صدري
وبكى الله على آهات بيت المقدس
سمّروا رجليَّ من خلف وألقوني
على مخلب ذئبه
هالك قالوا، وقد قابل ربّه
مرّت الأوهام، وهماً بعد وهم
بعد وهمٍ
عدت مثل الفارس الوثّابِ
توّاقاّ
إلى أحضان أمي
ورغم كل ما مارسوه من أساليب لا إنسانية، ظنّوا بأنني انتهيت، ولكنهم لم يعلموا
بأنني سأرجع أكثر قوة وعنفواناً، هذه الغربة التي يتحدث عنها الشاعر تزهق
الأرواح، من خلال أسلوب منظم بدقّة متناهية لتحجيمه، أو الخلاص منه، فالغربة
عنده غربتين، غربة خارج وطنه، وغربة بين من يحاول سحقه، وهذا ما يجعل الشاعر في
تعامله مع هذا الموقف أشد ألماً، لأنه لا يتوقع أن يصير الأمر إلى هذا الحد.
ونصل إلى آخر النص فيقول:
أيها النائم في عين دمشق الساهره
كلما اشتد على الأفق ظلام
بشرتنا بالسلام الناصره
إن جملة المعطيات التي انعكست على الفلسطيني والتي يتعرض لها باستمرار، كانت
ومازالت داعية لتفجير المرارة والحزن عند الشاعر، فقد ذاب الحب في الكره، وذابت
الحياه في الحياة، والأحلام في المطامع، والدم في الماء، فتحول الوطن إلى غصة
تحرق أديم الأجساد، وتدمي القلوب، والغربة إلى سيف مسلط على الرقاب، يقطر من
دماء الغربة والمعاناة ما يحرّق الأحشاء، ويقتل كل معاني الإباء.
والقصيدة الأخيرة في الديوان التي تحمل عنواناً يغرق في بحر من الآلآم، "
الوصية الأخيرة للعروس التي زُفّت للوطن " تمثل في الواقع قفزة في مضامين
القصائد المتميزة، والتي تعكس ليس فقط مشاعر الشاعر، بل مشاعر عامة يرصدها
الشاعر من خلال رماد الذاكرة الذي يتطاير أمام ناظرية، وضباب الأحلام الذي تقلب
على جمرات من الألم مع كل عروس جديدة تُزف إلى زوجها، هذه القصيدة المكونة من
إثنتي عشر فقرة ترتبط بنسيج من عروق الجسد، وسنحاول أن نقف على فقرات منها دون
أن نخلّ بالمعنى العام:
جهزوا الطرحة والفستان والشال الذي
حاكته أمي
فأنا ذاهبة في رحلة العمر
وعرس الخالدينْ
جهزوا الطرحة والفستان والشال الذي حاكته أمي
واندهوا أولاد عمي
فحبيبي لم يزل
منذ بدء الزمن
لم يزل
ينتظر الوعد الذي يحملني
وحبيبي يا رفاق الدهر
أفراحي وهمّي
والمواويل التي جمعتها من لهفة الزهر
وبوح الأهين
آه يا أولاد عمي
فأنا ذاهبة في رحلة العمر، وعرس الخالدين
وحبيبي يا امتداد الآه صحرائي
ونجمي
وحبيبي
ساحر اللفتة وضاح الجبين
آه يا أولاد عمي
وحبيبي
سيّد في العاشقين
ومازال الحبيب مجهولاً في رحلة العروس، وإن كان الشاعر أبرز الحبيب من خلال
العنوان، رغم عدم إعلانه عن هذا الحبيب من خلال تنقلنا بين الفقرات، فأسلوب
التشويق الذي ساقه يحمل معاني إنسانية، فهو لا يريد أن يعرف ماذا يكتب، بقدر
مايريد أن يظهر كيف يكون العشق والإلتحام مع الوطن، ورغم كل شيء فهو يعيش
الحياة والواقع، ويحب الحياة بكل ما تحمل من حب، هكذا يكون التواصل مع الوطن،
وهكذا يكون العشق للوطن،. ونصل إلى الفقرة الأخيرة من القصيدة حيث يقول فيها:
جهزوا الطرحة والفستان والشال الذي حاكته أمي
واندهوا أولاد عمي
فأنا ذاهبة في رحلة العمر
وعرس الخالدين
آه من حرقة نار العاشقين
وحبيبي لم يزلْ
منذ ابتداء الزمن
لم يزل ينتظر الوعد الذي يحملني
وحبيبي موسم من شجن
وحبيبي يا رفاقي وطني
لقد أعلنت العروس عن الحبيب، في السطر الأخير من القصيدة، التي تعتبر واحدة من
القصائد المتميزة والتي تظهر قدرة الشاعر المتميزة، وللفنية التي تتميز بها،
سواء فيما يتعلق بالموضوع، أو الصياغة الشعرية.
إن الترجمة الحقيقية للقصيدة لا يمكنها أن تتأتى من خلال وقفة متواضعة، بل
تحتاج إلى تمحيص نظر كما هو حال الكثير من قصائد الشاعر، وما هذه الوقفة إلا
لإظهار بعض الملامح الفنية التي يتمتع بها الشاعر، وقدراته الإبداعية في تناول
الفكرة، إن الشاعر كما رأينا يتلمس كل خطوات الحياة داخل فلسطين، وخارجها، وما
انتسابه إلى كل كلمة يقولها، إلا لإحساسه بها قبل الأخرين، وإحساس الآخرين بها
قبل أن نراها بصورتها النهائية.

وبعد هذه الرحلة في ديوان شكيب جهشان الشاعر والإنسان، فـإن الديوان جزء من
حياة الشاعر، وجزء من تكوينه، فقصائد الديوان كما روّس لتاريخ نظمها في نهاية
كل قصيدة، من أدق وأصعب الفترات في تاريخ النضال الفلسطيني، ونقطة تحوّل في
مسار الثورة الفلسطينية، فالفترة ما بين 1982 إلى 1989، من السنوات العجاف
للثورة، فقد شهدت الكثير من التغيرات.
الشاعر كما رأينا لم يحاول الهروب من الواقع، بل يتصدر له بكل قوة، ويحاكيه،
ويبرمجه، وينظر من ورائه، للوصول إلى غايته المنشودة، لقد رأيناه ينزف دماً في
صبرا ويسحق بالدبابات في شاتيلا، ويعيش ألم الغربة بكل ثقلها، وينصهر في تراب
الوطن، كل ذلك جاء من خلال تفاعله مع قضيته تفاعلاً صادقاً.
إن الموضوعات التي تناولها الشاعر تمثل لغة الحياة بحلوها ومرّها، بحنين الأرض،
وقساوة العدو الصهيوني، فصاغ ذلك بأساليب ليست فوقية في الفهم، ولا مغرقة في
الرمزية، وإنما بأسلوب بسيط، يحمل الكثير من الدلالات التي تبرز الفكرة،
مستعيناً بإمكاناته اللغوية التي ساعدته على التنويع في دفقاته الشعرية،
ومضيئاً قصائده بلوحات تراثية رائعة، تستند إلى ثقافته الرحبة.
هذه الرحلة في ذات الشاعر لم تنته عند هذا الحد، بل إن الإضاءات يجب أن تكون
متوازية مع عطاء هذا الشاعر، وهناك دراسة نقدية أخرى شاملة في شعر الشاعر،
وغيره من شعراء فلسطين.
وبعد هذه الدراسة المتواضعة أمكننا أن نقف على بعض خصائص هذا الشاعر:
1- يمثل شعره ملامح شعر المقاومة الحقيقية من حيث المضمون.
2- اعتمد على الدفقات الشعرية القصيرة في أغلب قصائده.
3- ظاهرة الحزن بادية في معظم قصائده، وقد ربطها بواقع الفلسطيني.
4- عاطفة الشاعر مستوحاة من الواقع، فغلب عليها الصدق الشعوري.
5- ابتعد عن المغالاة في عرض الأفكار، فقد كان واقعياً في كل ما ذهب إليه.
6- يمثل شعره أيدولوجية فكرية معينة، كما رأينا في القصائد التي كانت تدور حول
تجربة بيروت ومخيماتها الفلسطينية، وما آل إليها.
7- من الشعراء الذين جسّدوا صورة النضال من خلال التحدي والمقاومة.
8- واحد ممن تبصّر بالإنتفاضة التي حدثت عام 1978، وقصائده شاهدة على ذلك.
9- واحد ممن يحمل هموم الوطن داخلياً وخارجياً، بالكلمة الصادقة، والفكر
المستنير، والمقاومة التي لا بديل عنها، من أجل الغد الباسم الذي يحلم به
لشعبه.
10- شعره يمثل الترجمة الصادقة للمعاناة التي يعيشها التواجد الفلسطيني.
11- اهتمام الشاعر برصد الأحداث وتتبعها، وتسجيل أحداثها من خلال التأريخ
الشعري.
12- ابتعد الشاعر عن الرمز لأنه كما رأينا لا يحب الغموض، فهو ينتمي للحياة بكل
مباهجها.
ويبقى شعر شكيب جهشان الإنسان علامة فارقة في بنائية النص الشعري، ويبقى
التزامه الموضوعي لغة معاصرة في الشعر الفلسطيني.


الديوان الثالث

للشاعر
{ شفيق حبيب }


طائر الفينق المنبعث بركاناً من رماد
ورمز للتحدي والنصر


وديوانه

{ العودة من الآتي }
وقصائد مختارة

إذا أردنا ان نقرأ لقلمٍ لم ولن يُقهر، ولسان لم يُلجم، وفكر لم يُسجن، ووجدان
لم يهتز، فعلينا بالشاعر شفيق حبيب، صاحب الإثني عشر ديواناً، تجاوز بهم حدود
الزمان والمكان، وأسقط معادلات وأيدولوجيات بشعرٍ ملتزم وصادق، خرج من بوتقة
الظلم السياسي الذي دار حوله ظلماً، أشد عنفواناً، وتجاوز محنة الإقامة الجبرية
في منزله عام 1993 بكل إباء، فلم يستسلم لأساليب القمع التي مُورست على جسده
وقلمه، وتصدى لكل محاولات طمس الهوية الفلسطينية، فأصبح صوته جسداً في وطن،
وذاته وطن في جسد، فكان الصوت المعبر عن كل ما يختلج مشاعر وأحاسيس أبناء
فلسطين الرافضين لكل مظاهر القهر والإضطهاد بأنواعه.
لا أريد في هذا المقام أن أتجاوز من خلال الكلمة ذات الكلمة، فعندما نقول بأنه
وطني، فإننا نعني بذلك، وما دواوينه التي صدرت له إلا شاهداً حيّاً مازالت تنبض
بالحياة، فكم هو عظيم في التزامه وانتمائه ومنهجه وفكره، فقدراته الفكرية
متميزة، وأحاسيسه مرهفة، ولغته ثورية نابضة، وإيحاءاته هادفة، ورمزيته شفافة
وقوية، نوّع في بنائية النص، وخرج عن دائرة البحور الشعرية الموحدة، إلى الشعر
المعاصر، وأبدع في كليهما أيما إبداع، لإيمانه بأن المضمون يكون الأكثر
التصاقاً بالتجربة.
كتب النص كما سنرى ممزوجاً بكل أحاسيسه، وبعرقه، وبدمه، فلم يكتب في هواء، بل
كل ما كتبه حتى الذي أُحرِق من قِبل السلطات الإسرائيلية مازال محفوراً على
أسوار عكا وكنائس فلسطين شاهداً بفلسطينيته، وبعروبته، و انتمائه للأرض، والوطن
والشعب والمستقبل.
إننا لا نتجاوز حدودنا أمام هذا الشاعر، بل نتلمس خطواتنا معه على أمل أن نسبر
في أغوار الفكر الذي يتميز به، لنقف وقفات تتناسب والصدق الذي يتعامل به مع كل
تجربة، وولادة جديدة لنص جديد.
إذا كان هناك من شاعر يطلق لنفسه العنان ليقول شعراً فهو شفيق حبيب، لما يتميز
به من موسوعية معجمية متميزة، ونبش في التراث قائم على ربط الماضي بالحاضر من
أجل المستقبل، يعتمد فيما يقول على المباشرة، وعلى الإيحاء بالرمز أحياناً،
لتبرز التجربة باعتبارها حالة من الوجد تجعل المستحيل ممكنا، والممكن واقعا.
الوطن، الأرض، المدن، القرى، الشهداء، السجون، الحياة كلها هموم يعيشها مع
شعبه، وظواهر تحرّك فيه ثورات عارمة، لا تتركه إلا بعد أن يفرغ من تجربته
الشعرية، وبعد أن تلتحم ذاته بالحدث لتكوّن النص الشعري بصورته التي يريدها.
كلما تعمقنا في دواوينه نجده يؤمن بحقيقة رائده يتخذها منهجا في بنائية النص،
وتتجلى في أن الشعر الصادق والملتزم النابع من رؤية شعورية صادقة، يفرض وجوده
بأي شكل كان، وبأي لغة كانت، لهذا وجدناه يلوّن في القصيدة الشعرية، فتارة يسير
على النظام التقليدي، وتارة على نظام الشعر العمودي.
وإذا كانت المواجهة في قصائده، عنصراً بارزاً في النص، فإن الدفاع والتصدي، هي
اللغة الأقرب للمواجهة، لأنه لم يشعر في لحظة من لحظات الزمن بضعفه، لهذا نراه
دائما يصوّب سهامه دون هواده، فقصائده ثورة عارمة، وألفاظه ذات معانٍ صافيه،
وصوره ذات دلالات متميزه، ورموزه تحمل إيحاءات عميقة.
دواوين الشاعر التي بدأت بالصدور منذ عام 1972، وحتى عام1996 تمثّل رحلة الشاعر
مع الكلمة والحق والثورة والوطن والأرض، فعالمه الفكري الضبابي من جانب
الإحتلال، جعله أكثر التزاماً، وقد حال بالكلمة أن يقشع ضباب الفكر، وانتصر،
فأشرقت شمس العدل والحق، في زمن غيّبت فيه كل القيم والمبادئ، وبزغ شعر الشاعر
وهو محمّل بأوجاع وهموم الوطن، فأضاء خلال مسيرته الشعرية اثني عشر قنديلاً
ومازال، وهي على التوالي" قناديل وغربان صدر عام 1972، ومأساة القرن الضليل عام
1976، ودروب ملتهبة عام 1980، ووطن وعبير عام 1981، والخامس " أنادي أيها
المنفى " عام 1984، والسادس " أحزان المراكب الهائمه" عام 1987، والسابع " الدم
والميلاد " عام 1988، والثامن " العوده إلى الآتي" عام 1990، والتاسع، ليكن لكم
فيّ سلام" عام 1992، والعاشر "في قفص الإتهام" عام 1993، والحادي عشر " آه يا
أسوار عكا" عام 1994، والثاني عشر" تعاويذ من خزف" 1996."
تلك هي نبضات الشاعر، وهويته، ومازال نبض الحياة يبعث رؤى جديدة موضوعية وفنية،
ولقد استشعر بوقوع الإنتفاضة قبل وقوعها، فنظم العديد من القصائد حول هذا
الموضوع، وسُجن جرّاء إحدى قصائده التي ألقاها في إحدى الندوات الأدبية والتي
تنبأ فيها بظاهرة الإنتفاضة.
والشاعر أولا وأخيراً، وطني في نفسه وفي شعره، قومي في انتمائه، وإنساني في
فكره، بسيط في قوته، قوي في بساطته، لا يلين له جانب، مهاجم ومدافع عن الحق، لا
يخشى في الوطن سجن العدو، ولا الإقامة الجبرية.
هذه رؤية في شاعر لا يلين له جانب، وفي كلمة تصيب ولا تخطئ، وفي بنية فنية
متجددة، قادرة على عصرنة اللفظ، لتناسب المرحلة.
وعند قراءتي لدواوين الشاعر كاملة، قررت أن أغيّر في منهج الكتابة لأسباب منها
أن الشاعر سجن فترة من الزمن في التسعينيات، فأردت أن يتعرف القارئ على الأسباب
التي جعلت المحكمة العليا في دولة " الديمقراطية " تحكم عليه بهذا الحكم، ثم
نتعرف على القصائده كانت السبب في سجنه، وحيث أن عددها قليل، فكان لابد من
ديوان آخر، فقررت الوقوف على ديوان " آه يا أسوار عكا " ولكن تراءت لي فكرة
أخرى تتمثل في دراسة قصيدة من كل ديوان صدر للشاعر، ليقف القارئ على منهجية
الشاعر الموضوعية، متتبعين الترتيب الزمني لدواوينه، وبالتالي نكون قد وقفنا
على ما يوازي ديواناً شعرياً، ولكن من خلال مسيرة حياته الشعرية.
أما ديوان " آه يا أسوار عكا " فستتم دراسته في الجزء الثالث الذي سيضم عدداً
من شعراء فلسطين.

في قفص الإتهام
وقائع معركة حرية التعبير ضد سياسة القمع المنهجي
{ العودو من الآتي }
لا أحد منا ينسى يوم اندلاع شرارة الإنتفاضة التي امتدت لتشمل كل فلسطين، سواء
مشاركين أو متضامنين، ولا نستغرب بأن يساهم الإدب في إشعال هذه الإنتفاضة،
وإذكاء لهيبها، خاصة من معظم شعراء فلسطين داخل الخط الأخضر، لتظهر قصائد
عديدة، ودواوين مختارة تمثل هذه المرحلة، فكانت الإضاءة الحقيقة التي أضاءت درب
الأطفال في عتمة الليل يتصيدون فيها قافلة من الجنود بحجارة من سجيل، ولننظر
إلى أحد الشعراء الذين عاشوا الحدث ببصر وبصيرة، فيقول في قصيدة له بعنوان " يا
قائد الركب..!!"
عام يمرّ وفي عينيك إصــــــــــــــــرار فالمجد يعلو جبيناً زانه
الغـــــــار
لا تسألوا: من تُرى هذا الذي انفجرت من راحتيه براكين وإعصــــــار
هذا الملثم لا تدري مناقبــــــــــــــــه إلا سوائب جيش راح ينهـــــار
بوركت يا حجر الأطفال منطلقـــــــا في وهج عزمك أخبارك وأسـرار
بوركت يا حجر الأطفال مؤتلقـــــــا مثل الشهاب ففيه النور والنـــار
الشاعر كما نرى لا يتعصب لقديم أو جديد، ويرى أن الصراع بين المجددين
والمحافظين لا طائل منه، لإيمانه المطلق بأن الشاعر الجيد هو القادر على إعمال
التأثير المطلوب بأي شكل كان، وقادر على مخاطبة المشاعر والأحاسيس والفكر دون
تزييف، أو ترقيق أو تخشين، لهذا رأيناه في الأبيات الخمسة السابقة، أو في
رائيته التي أبدعها بعد عام من اندلاع الإنتفاضة، يظهر ثلاث مرتكزات أساسية،
المرتكز الأول :الإستمرارية في النضال، والثاني: صورة الطفل الملثم، وقدرته على
المواجهة، والثالث: صورة الحجر وهو ينطلق من يد طفل، يحمل معه الأمل والقوة رغم
ضعفه.
لقـــد ربط الشاعر بين الألفاظ ودلالتها برباط وثيق، فعندما ذكر الأنتفاضة قال
" الغار، وإعصار" وعندما تعامل مع المحتلين قال " ينهار " وعندما قال الحجر ذكر
بأنه يحمل" أسراراً ونار " هذا التوافق بين الألفاظ ودلالتها صاحبه توافق في
قافية النص، حيث استخدم الشاعر حرف الراء باعتباره من الحروف البسيطة، وابتعد
عن الحروف الخشنة، أو ذات الطنين العالي، هذا التوافق بين مكونات النص صاحبه
تلوين في العاطفة من خلال التنويع في استخدام الكلمات، فتارة يستخدم الأفعال،
وتارة الأسماء، مع توظيف الصور البلاغية لخدمة الفكرة.
من ذلك، أظهر الشاعر اللغة الجديدة للحجر، ودلالته، ويحق لنا أن نعتبره جزءاً
من الأساطير، لأنه حقق معادلة غائبة وغير متوقعة، مقارنة بالبندقية التي لم
تحقق أي توازن، ولكن الشاعر هنا أظهر الحجر مع الحق، وهنا كان تأثير الحجر في
يد الطفل الفلسطيني مقاوماً ومهاجماً، دون أن يخشى البندقية، وهذا جمال الإبداع
ووعي الشاعر برز في استخدامه الدلالات المعنوية دون غيرها في هذا الموقف، لأن
كل الظروف المحيطة تتطلب هذا الموقف:
يا أيها الغاصب المحتل سوف تعـــــي أنّ الديار لنا.. والدهــــــــر دوّار
اسجن رجالي فما لانت عزائمنــــــا يحدو الرجال إلى الساحات إصرار
واهدم بيوتا وشرّدنـــا فإن لنـــــــــا تحت الثرى مهد أجداد هنا ثــاروا
خطط لنفي رجالي السُّمر ما خمدت نارٌ، وإن نُفيتْ في الليل أحــــــرار
إن الرجال إذا ما استشهدوا خَلـَدت أفعالهم أبداً..وانداح أشـــــــــــرار
إنْ مزّق الحقد طفلاً..ننضب شممــاً فالطفل في ليلنا نجموأقمــــــــــــار
إنْ تسألوا كل شبر في مرابعنــــــــا كان الجواب لأهلي هذي الـــــدار
لو خُيّرت أرضنا عن ظلمكم بـدلا لكانت الأرض للشيطان تختـــــــار
نداء موجّه للمحتل يُعلن بأن الأرض لنا، وما تواجدكم المؤقت، سوى مرحلة ولابد
لها أن تزول، فهو ينقلنا بوعيه التام إلى أسلوب المحتل" الغاصب" ثم إلى "
المحتل " والتي تعني السيطرة بالقوة على الأرض، وهنا يبرز الصوت الأقوى من
الشاعر، ليقول: إذا كانت الأرض احتلت واغتصبت، فهذا لا يعني بأن الديار لهم،
فصاحب الأرض لا يغتصب أرضه، ولا يحتلها بالقوة، وهذه دلالة على واقع طارئ
ومغلوط، ولابد أن يتحوّل هذا الواقع المؤقت عن مساره، فاستند على القوة، والقوة
لا يمكنها الإستمرار مقابل الحق التاريخي والحضاري لأصحاب الأرض، لهذا جاء
الشاعر بمرتكز يبرز بأن هذا الوضع مغلوط، فقال" الدهر دوّار ".
إن ولوج الشاعر إلى الدهر، أو اعتماده على الزمن، يرجع للواقع العربي في هذا
الفترة العاجز عن تغيير الواقع، ولكن في النهاية ستتصحح الأمور، وبالتالي
سيتحول الحاضر إلى ماضٍ، والواقع المتمثل في الضعف إلى قوة تغيّر المعادلة.
الشاعر لا يرى في الأفق القريب ما يبشر بخير، ولهذا فتح أفاقاً جديدة أمام
الشاباب لينهضوا من عثرتهم، ويبتعدوا عن الإستكانة في محاولة منه لتجهيزهم
للمواجهة الحقيقية من أجل حقّنا بالوطن والأرض.
ومع تتبعنا للصورة في النص، نلاحظ بأن الشاعر استند في إبراز الصور المعنوية،
بصورٍ معنوية أخرى مقابلة، فمن خلال أفعال الأمر التي ساقها إلينا، إبرز
حقيقتين، الأولى : الأساليب القمعية واللاإنسانية التي يمارسها العدو ضد أبناء
فلسطين، ويقابلها صورة معنوية تواجه هذه الصورة بكل قوة وحزم، فنحن إذن أمام
قوله " اسجن رجالي" والسجن كما نعلم ظاهرة استحدثت منذ استعمار فلسطين، ثمّ نمت
وتفاقمت كلما اشتد الصراع مع العدو، فيلجأ المحتل إلى الزج بكل الشرفاء من
مدنيين ومثقفين وشعراء وكتّاب، وثائرين إلى السجون، ظاناً منه أنه قد تخلّص من
" شرورهم "، فقد فُتحت سجون جديدة، ومعتقلات من خيام في صحاري فلسطين الباردة
والحارة، من أجل استيعاب الأعداد الكبيرة من المعتقلين، لتمارس عليهم صنوف
التعذيب المنظم، وغير المنظم، من أجل اعتراف ضمني بمشاركة في ندوة، أو إلقاء
حجر، أو نظم قصيدة تحرّض على الإحتلال، فهل السجن يحطّم الإصرار في العزائم؟
ويقيّد الفكر؟ ويقتل الوطنية المتأججة في النفوس؟ ويُنسي الحق في الأرض؟ ليأتي
تعبير الشاعر سريعاً وواضحاً، بحيث لم يترك مجالاً لأي لون من ألوان التفكير، "
فما لانت عزائمنا" .
أما الفعل الثاني" اهدم بيوتا " وهنا يبرز الشاعر الصورة الأخرى للوجه القبيح
للمحتل، والسؤال لماذا هدم البيوت ؟ وهل يُسمح لمن هُدم بيته ببناء بيت بديل؟
هناك سببن ونتيجة لهدم البيوت السبب الأول: إذا ثبت أن صاحب البيت، أو أحداً
من أفراده له صلة بعملية فدائية، والسبب الثاني : إذا ثبت مساعدته لأحد من
الفدائيين، والنتيجة هي إلقاء صاحب البيت خارج الوطن، وليكون عبرة لغيرة. وهنا
نتساءل، هل الذي يدافع عن أرضه ووطنه، ويقاوم المحتل يكون جزاؤه هذا العمل؟ ثمّ
يأتي الرد سريعاً كما جاء في البيت الأول: إن لنا في تحت الثرى مهد أجداد هنا
ثاروا " .
أما الفعل الثالث " خطط لنفي رجالي " هذه صورة قديمة حديثة، يستخدمه الإستعمار
في أنحاء الوطن العربي، حيث ينفي الثوار والشرفاء خارج الوطن، وهاهو العدو
الصهيوني يمارس هذه الصورة على أبناء فلسطين، في محاولة لتهدئة الأوضاع،
باعتبار أن هؤلاء يمثلون الزعماء النشطون للثورة ضد المحتل، ولا أظن بأن هناك
قانوناً وضعياً في العالم يسمح ويقر بنفي المواطن صاحب الأرض عن أرضه، لكن هذا
نجده في القوانين الصهيونية الوضعية، ولكن هل النفي يُقابل بالإستسلام، ويأتي
الرد على لسان الشاعر: " ما خمدت نار وإن نَفيت في الليل أحرار "
وإذا كانت الشهادة هي الوجه المشرق في مسيرة المناضل، والإطلالة الأكثر إشراقاً
في القصيدة، فإنها لن تكون النهاية، بل بداية حياة جديدة، وهذا ما رأيناه في
الحلقة الرابعة والأخيرة من حلقات التحدي والمواجهة مع العدو، فمادامت الشهادة
معناها الخلود، فهي رسالة إلى كل الشرفاء للمواجهة والتحدي، حتى يتم إزالة
العدو عن الأرض.
التتابع الموفق من الشاعر في إبراز ما يحدث" السجن - الهدم - النفي - الإستشهاد
" كلها ظواهر لبعث الههم في النفوس، ولهاب الحماس، وإظهار القوة الكامنة في
النفوس. ويتابع الشاعرفي الجزء الأخير من النص إبراز صور جديدة تتصل بهذا الطفل
الجديد:
يا قائد الركب!! والأغصان في يـده ابْنِ السلام على أنقاض مَنْ جاروا
وارفع مداميك بيت تلك قلعتنـــــا تحوطها من قلوب الشعب أســوار
هذا دمي، صارخ في وجه هـــادره في ثورة الحجر المعطاء هــــــــدّار
فالمجد للشعب ما أعطاك يا وطــني والخزي للماكر المحتل والعـــــــار
إني بحقي وإيماني أنازلـهـــــــــــم هذا سلاحي مقاليع وأشعــــــــار
هذه الصور الجديدة، ارتكزت على الصور الإسمية والأساليب البلاغية، ومنها
النداء، لاستحضار ما هو معلوم، وما استحضاره في هذا المقام لصورة الطفل، إلا
لكونه القائد الحقيقي في هذا الزمن.
إن الشاعر في هذا المقام استطاع أن يبرز الطفل بصورتين، الأولى بأن الطفل داعية
سلام، وليس داعية حرب، ولما لم يجد بُدّاً من أن تمتد اليد الأخرى إليه، فلم
يجد سوى الحجر والمقلاع.
والصورة الأخيرة ترتكز على الحجر، باعتباره الأكثر تكثيفاً في النص، فأصبح
الحجر الناطق الرسمي الجديد والوحيد خلال هذه الفترة، ومادام ذللك فستعلى راية
الوطن، وأما المحتل فله الخزي والعار، وما قتالنا بالمقلاع والحجر، رغم ضعفهما،
إلا أن الحق بالأرض، والوجود والحياة الحرة الكريمة وراء قوة هذا الحجر.
هذا العشق الأزلي للفلسطيني لأرضه وحقه، دفعا به لمواجهة كل المحاولات لطمس
هويته وماضيه وحاضره ومستقبله، فاتخذ من الحجر أداة للمواجهة، فابتعد الشاعر عن
لغة البكاء والندم، إلى لغة جديدة تتناسب وعصرية الزمان والحدث.
ونقلّب الديوان، لنقف أمام قصيدة ربما تكون واحدة من القصائد التي تسببت في
اعتقاله ومصادرة دواوينه، وهي بعنوان " نشرة إخبارية " حيث يقول في مقدمتها"
منذ مولد الإنتفاضة..وعلى مدى أربع وعشرين ساعة يومياً، يتقيأ مذيعو الإذاعة
والتلفزيون في آذاننا..وعلى عيوننا نشرتهم الإخبارية التالية: أما النص فيقول:
- سيداتي ! آنساتي ! سادتي !!
نشرة الأخبار يتلوها غراب
فماذا تقول النشرة التي تحل إلينا صورة المهزلة العصرية، يخرج علينا المذيع
بقوله:
طارت قواتنا الأطفال من بابٍ لبابْ
قتلت منهم ثلاثهْ
بعد كرٍّ. بعد فرٍّ. ومجيءٍ وذهاب
ألقت القبض على قائدهم" زين الشباب"
عمره سبعة أعوام، ومازال طليقاً
لم يذق مُرّ العذاب
فنقلناه إلى السجن
وعاد الجيش بالنصر المهاب
أتساءل هنا: أين حقوق الطفل الفلسطيني؟! أليس له الحق بأن يعيش حرّاً كريماً؟!
وكيف يُطارد هذا الطفل من قوات مدججة بالسلاح؟! ولماذا يُطارد؟ ولماذا يُسجن؟!
وإذا كان هناك من قصيدة يمكن أن نطلق عليها القصيدة المتلفزة، فإن هذه القصيدة
تمثل هذا الموقف، فالشاعر لم يتخيّل، وإنما يتفاعل مع الحدث، والواقع، وينقله
إلينا بأمانة وصدق، أو بمعنى آخر يحوّل الماضي وإرهاصاته، بين يدي طفل بحجر
ومقلاع، من أجل غدٍ ربما يكون أكثر إشراقاً.
طفل، جيش، حجر، مقلاع، رصاصة، وتكسير عظام، وبعد كرّ وفرّ ألقت القبض على قائد
المنتفضين، وإذا به في السابعة من عمره، وهذه هي الصورة الجديدة في الشعر
الفلسطيني والعربي في زمن عزّ فيه الكثير مما يجب أن يكون عليه الحال.
لكن لماذا كان الطفل هو البطل الحقيقي في معركة الإنتفاضة ؟ إن هناك الكثير من
الأسباب، لكنها تتمثل في بوتقة واحدة، وهي رفض أطفال فلسطين الذين ولدوا في زمن
الإحتلال الإسرائيلي لهذا الإحتلال، حتى تصل حلقة الرفض إلى الكبار والشيوخ،
وصولاً لتبليغ رسالة الضمير والإنسانية إلى العالم، بأن هناك أطفال يتعرضون
للموت لأنهم يدافعون عن أوطانهم، فما موقفكم من ذلك؟
وإذا كانت الصورة التلفزيونية فيها حركة، فاستخدم الأفعال لتتوازى مع وقع
المطاردة والسجن" طاردت - قتلت - ألقت - لم يذق - نقلناه - وعاد " هذا ساعد على
تنمية الحدث داخل النص، وأبعده عن البطء، وألزمه أيضاً عدم الإبتعاد عن المشهد،
لأن الصورة المرئية أقوى من الصورة الخيالية في هذا الموقف.
وبعد فترة يخرج علينا المذيع بخبرٍ جديد يظهر قدراته وإمكانياته في مواجهة
الأطفال، فالصورة الأولى حقق النص بعد اعتقاله، وسجنه!، والصورة التالية تقول:
سيداتي! آنساتي! سادتي!!
حين دقّت ساعة الصفر التي تدعو
لتسديد الحسابْ
هاجمت قواتنا في الليل " أوكار الذئاب "
فقأت أعين سته...
قتلت بعض " الكلاب "
ثم عاد الجيش بالنسوة مبهوراً بنصر واستلابْ
فنقلناهنْ للسِّجن
وقد أضحى الدّم المسفوح منهنّ خضاب.....
لقد أبرز الشاعر أسلوب القمع الهمجي الذي يستخدمه الجنود ضد أطفال فلسطين،
ففقأت الأعين، وقتلت البعض، واعتقلت بعض الفتيات، وكأنه حقق النصر العظيم.
الأسلوب الذي يستخدمه الشاعر في هذا المقام، أقرب إلى تحقير الذات العسكرية
الإسرائيلية من خلال تصرفاتهم، وكيف يشعرون بنشوة النصر عندما يحققون بعض
"الإنتصارات" على الأطفال، ولكن هل الصورة انتهت؟ وبعد لحظات يخرج علينا المذيع
الإسرائيلي ليعرض علينا موقفاً جديداً، أو مشهداً مأساوياً جديداً
سيداتي! آنساتي! سادتي!!
خرج الشعب إلى الساحات سيلاً
غاضباً... كالبحر إنْ ثار العُباب
لا ترى قواتنا إلا صخوراً وزجاجاً وحراب
حصدت قواتنا سبعة أفراد وعادت
تحمل الأسرى إلى التحقيق يتلوه العذاب....
يتضمن خروج الشعب إلى الساحات ليعلن الرفض، ويواجه الإحتلال الصهيوني، فكان
الرد قاسياً وعنيفاً، فقتلت القوات سبعة من أفراد هذا الشعب، عملية الإبادة هذه
تظهر سلوك الجيش الإسرائيلي في قمع الإنتفاضة، والمذيع لا يجد حرجاً في إذاعة
خبر القتل والإعتقال، وكأنه يتباهى بذلك، أو يقوي من معنويات الجيش التي أخذت
تتململ من مقاومة الأطفال.
ولم يكتفي المذيع بنقل هذا الخبر، بل أردق قئلاً، بأننا اعتقلنا منهم الكثير،
ومارسنا التعذيب عليهم. ونقف هنا مع الظلم الذي يتنامى داخل النص عندما ينقلنا
الشاعر من فكرة إلى أخرى، مستعيناً بألوان شتى من أساليب التعذيب، مستنداً على
موسوعيته المعجمية المتميزة.
وبعد لحظات، إذ بالمذيع يعود إلينا مرة أخرى، يحمل إلينا نبأً جديداً:
سيداتي! آنساتي! سادتي!!
أصدر القائد أمراً لا يُعاب:
اجمعوا كل الشباب،
انسفوا أوكارهم بيتاً.. فبيتا.. واجعلوا منها خرابْ..
شرّدوا أطفالهم... لا ترحموهم، شرذموهم بين أرض وسحاب
نحن شيّدنا الزنازين لهم فوق الصحاري في اليباب
فامنعوا عنهم طعاماً وشراب
غرف التحقيق تدعوهم، فمن يدخلها لا يرتجى منها الإياب
هذه اللوحة التي ساقها الشاعر تكررت زمن الإنتفاضة في كل المدن الفلسطنية، فبعد
القتل الفردي والجماعي، تبدأ رحلة الإعتقال الجماعي بناءً على أوامر القيادة،
ومن ثمّ يتبعها نسف لمنازلهم، وسجن الآخرين ونفي لأصحابها خارج الوطن،
فبالإضافة إلى إظهار أساليب القمع، يريد أن يبرز " إرهاب الدولة " أي أن الدولة
هي المسؤولة، ولا نبالغ كثيراً إذا اعتبرنا أن هذا اللون من الشعر تحوّل من
مجرد لوحات وطنية إلى قصائد سياسية من النمط العالي.
الوطنية كما نعلم هي التي تتناول قضايا تتعلق بالمواطن والأرض والعشق للوطن،
ولكن إذا كان الأمر متعلقاً بالإحتلال أو بممارسات لا إنسانية فإنه يخرج إلى
النمط السياسي.
لنقف هنا على الأفعال التي ساقها الشاعر" اجمعوا، انسفوا، اجعلوا، شرّدوا، لا
ترحموا، شرزموا، امنعوا" وجميعها تتصل بأساليب العدو ضد أبناء فلسطين، وظفها
الشاعر من خلال انعكاس المرئي وتفاعله مع الشاعر، ليبرز الصورة بشكل دقيق.
وإلى جانب الموضوعية المتميزة في تلك الأسطر، رافقها موسيقى انفعالية متنوعة
جاءت من خلال الأفعال المختلفة المعنى، والمتساوية في الدفقات الشعورية، ليهدف
من ورائها خلق موازنة بين الحالة الإنفعالية التي يعيشها الشاعر مع الواقع.
أسلوب المباشرة الذي استخدمه الشاعرفي نقل تجربته مبتعداً عن الرموز، يجعلنا
نستنتج من وراء هذا، بأن الشاعر صريح جدّاً، ولا يواري الحقائق خلف ألفاظ
معجمية مفصحة، حتى لا يحمّل اللفظ أكثر من معناه الذي ساقه، لأن اللفظ ذاته كاف
لإداء الغرض ومن خلاله يحرّك المشاعر.
ويتابع الشاعر نقل وقائع الحدث على لسان المذيع في رسالة إخبارية جديدة:
سيداتي! آنساتي! سادتي!!
جاءني هذا الكتاب
أصدر القائد أمراً عاجلاً، والأمر فوراً يُستجاب:
كسّروا السيقان والأطراف بل دقّوا الرقاب
هشّموا عظم الجماجم
طاردوهم... واتركوهم جيفاً تلعق من هذا التراب
الأمر الذي صدر، تم تنفيذه بأسرع من البرق، فقد رأينا على شاشات التلفاز كيف تم
تنفيذه وبدقة متناهية، ورأى العالم أجمع هذا الأمر كيف مورس على الشباب
الفلسطيني من الجنود " البواسل "، ولقد كان الهدف من تكسير العظام والأطراف،
وتهشيم الجماجم، الحد من الإنتفاضة، ولابد من تكسيرها حتى لا تلقي الحجارة،
وكذلك الأرجل حتى لا تستطيع الحركة، فنحن أمام أمر لا إنساني يصدر من قائد
عسكري لا ينتمي إلى الإنسانية البتة.
توالت هنا صور الأساليب القمعية التي يستخدمها العدو، ولكن هل حدّ هذا من
استمراريتها؟ كل الدلائل تشير إلى أن صاحب الحق ل يمكنه أن ينام وأرضه مغتصبة،
وهذا ما حدث، وسيبقى إلى أن تتحرر الأرض.
وننتقل إلى صورة أخرى:
سيداتي! آنساتي! سادتي!!
داهمت قواتنا بالأمس وكراً بعد ساعات الغياب
واستمرت حملة التنظيف حتى مزّق النور الحجاب
صرّح الناطق - والناطق ذو رشد ومن أهل الصواب
قال إن من أضحى مستتباً في الحواري
والبراري والشعاب
........
.........
جيشنا
أفى مراسيم الجنازات وأخفى جثث القتلى
فما يجدي إذا صلى عليها الأهل أو بعض الصحاب ؟؟
لوحة ذكرتني تماماً بما شاهدته في مدينتي" خانيونس " بتفاصيلها ودقائقها،
وأبعادها، حيث داهمت قوات الإحتلال منزل أحد المقاتلين منذ الساعة الثامنة
مساءً، وحتى الساعة الرابعة فجراً، وكانت محصلة المواجهة، الشهيد الوحيد الذي
فرغ منه الرصاص، وبعد الوصول إليه، لم يتركوا جزءاً من جسده إلا وأعملو فيه
الرصاص، وقد شارك في العملية قرابة المائة جندي بمختلف الأسلحة اليدوية، وقتل
لهم جنديان، وجرح آخرون، وبعد العملية قامت القوات الإسرائيلية بحملة اعتقالات
واسعة خوفاً من تزايد حدّة الغضب، إذن فنحن أمام صورة متكررة وواقعية، في كل
المدن الفلسطينية، لنجد أن الخوف لا يقتصر من الأحياء، بل من الشهداء، وهذا ما
رأيناه في تلك المواجهة.
سيداتي! آنساتي! سادتي!!
هاجمتني.. أكلتْ مني لساني
ملأت عينيّ أسراب الذباب
ربما أخطأت في الصرف...وفي النحو
وأرقام الحساب
نشرة قادمة ينقلها إلينا غراب
إن أهم ما تتميز به القصيدة اعتماد الشاعر على اللوحات الشعرية كما هو الحال في
الشعر المهجري، وإن اختلف البناء الخارجي للنص، مع التنويع في البناء الفني
والعاطفة، من أجل إظهار التأثير المطلوب.
ونقف مع أجزاء من قصيدة للشاعر، حيث أعتقل جزء منها عندما تمّ اعتقاله، وهي
بعنوان" مشاريع الخناجر "
في عالم الشهداء كانت لي زيارهْ
ناديت أطفال الحجارة
رفت عصافير الطفولة كالملائكة التي حطّت على
باب المغاره
جاؤوا كأسراب الحمام براءة تنضو طهاره
جاؤوا حقائبهم على أكتافهم
وقلوبهم ملأى حراره
ودماؤهم
فوق المرايل التي ما جفّ بوح أريجها عطراً
ولا عدمت نضاره
طفل يقبلني ... ويسألني
فتحرقني المرارة
ويعود يسألني إذا بعثت
معلمة الرياض له الدفاتر والسكاكر والمساطر
أو " علامات الشطاره "
لا نقول بأن الشاعر يعيش الخيالات، ولكن لننظر إليه كيف تفتق ذهنه عن هذا
التواصل مع شهداء الحجارة، إنه لا يردينا أن ننساهم، بل يريد أن نخلّدهم من أجل
.أن يرسموا الطريق للأجيال القادمة، هذه اللوحة الواقعية تبرز شفافية الشاعر،
وعمق المأساة في آن واحد، فمشاعر الأسى تكمن في كونهم أطفالاً، ومازالوا يدرسون
في رياض للأطفال، فهذه مرايلهم مازالت مخضبة بالدماء، وعيونهم ترنو للغد.
وهكذا يتضح لنا من تتبع الصور التي ساقها الشاعر، وإن كانت تحمل روح الخيال،
القيمة الحقيقية لهذا اللون من الشعر، خاصة وأن الفكرة التي أبرزها الشاعر
متميزة في تناولها، وعرضها والتنسيق في تكوين التجربة،من خلال اعتماده على بنية
فكرية مترابطة، مما عكس بنية النص الفنية، إضافة لما حملته من قيم إيحائية
عالية، ترتبط بالإنفعال الشعري، وتتفاعل المأساة في وجدان الشاعر، فيظهر من بين
الشهداء الذين ذهب إليهم، طفل يحمل الرصاصات التي أطلقت عليه كذكرى لمن يتبجحون
بأنهم حضاريون في معاملاتهم:
ويجيء طفل في جيبه - ذكرى-
رصاصات الحضارة..
يدنو.. يقبلني ويسألني إذا ما حمّلتني
أمّه قُبلاً ويسأل كيف حال الأهل
والأصحاب... والأحباب
يسأل عن سلامة كل زاوية وحاره
وبأنه مشتاق للحضن الذي
يعطيه دفئاً.. وحليباً.. وحنانا بغزاره

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


ريانيه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-14-2005, 10:37 PM   رقم المشاركة : 6
معلومات العضو
ريانيه
 عضو متقدم 
 
الصورة الرمزية ريانيه

 

إحصائية العضو












افتراضي


 

الخيوط التي رسمها الشاعر، وربطها برباط الوطن، تغلق أمامنا أبواب الإستسلام،
فمن خلال الموجات الرومانسية الثورية التي ساقها، تعبيراً عن الرفض والإنتماء
على السواء، رفض للواقع الذي يحمل الدم والرصاص، وانتماء للوطن والأرض،
والشوارع، فأراد الشاعر من خلال هذا الربط المتنامي أن يخلق صوراً جديدة،
مستعيناً بالواقع، وإن كان الواقع لم يكوّن إلا جزءاً بسيطاً في بنية الصورة،
فكان اعتماده التام على المشاعر، والأحاسيس،فأبدع صوراً من صور، وهذا هو
الإبداع والكشف، فحملت الصورة كثيراً من الدلالات والإيحاءات.
هذا الطفل يمثل الكبرياء والشموخ، ويمثل وجدان الشاعر وعقله الباطني، ونقف هنا
على مقطع صغير، لكنه يحمل الكثير من المعاني ذات الإبعاد الثورية، فماذا يقول
الشاعر في هذا المقام:
قبّلتهم
ودعتهم
وعرفتها..سبل الفداء
تعيد للوطن اخضراره
الصورة التي رسمها الشاعر من الصور الوجدانية التي تنتمي إلى عالم الداخل، من
أجل الحياة، والتضحية والفداء، بمعنى أنه يسوق إلينا أسلوباً من أساليب النضال
الذي يجب السير عليه، ونقف على المقطع الأخير من القصيدة المعتقلة:
شحذت نواجزها المقابر
بصدر النرجس المغدور... في الجرح المكابر
ظمأ الدماء إلى الحياة على يراعه كلِّ شاعر
في خالق العمل المظفّر - في مشاريع الخناجر
لقد تحول الجسد الذي أطلق عليه الرصاص إلى أشكال سداسية تشبه النجمة التي
يضعونها على العلم، وهذه الملاحظة التي ساقها الشاعر تحمل رسالة إدانة صريحة
إلى الصهاينة، وتخرجهم من خلف الغلاف الذي يختفون وراءه.
ولقد استطاع الشاعر من خلال هذا الخيال الواقعي بناء لغوي فني موضوعي، يستمد
مكوناته من عناصر الصورة، مستعيناً بالواقع الخارجي، وإن كان التأثير النفسي
على الصورة أكثر من الواقع الخارجي، وهذا راجع إلى الإنفعالات التي صاحبت هذا
الخيال الواقعي.
ونقف على قصيدة أخرى مقتقل أجزاء منه بعنوان" عمر والذئاب " يقول:
خبرٌ... خبر
خبر....خبر
كالرعد دوّى وانتشر
هُرع الرجال مقنعين...ملثمين
وراء قطعان الذئاب
على حذر
صورة التكرار جاءت هنا في مكانها، لتتناسب مع نقل الخبر، نابع من تفاعل الشاعر
تماماً مع التجربة، وقد بعث الإلحاح بالتكرار روحاً متوقدة لدى الشباب، فالجميع
استعد للمواجهة دون خوف أو وجل، وهذا يسوقنا إلى إبراز روح الحماس عند أبناء
فلسطين لمقاومة المحتل،" الذئاب "، وهو حافز على المواجهة والتحدي، لينقلنا
الشاعر بعد إعلان الخبر لما سيحدث بعد ذلك:
سدّوا المساجد والمعاهد
والكنائس والمدارس
صادروا ضوء القمر
ذئب يهاجم روضة الأطفال
ينهش لحمهم
والويل من ذئب كَسَرْ
ذئب على كتفه صاروخ
وذئب بندقية توزّع من رصاصات الموت
أنواع الصور
فسلاحهم
فقأ العيون..وحطّم الأطراف
وامتلأت بقتلانا الحفر
فاهتز في الأرض الحجر
قفز الحجر
صاح الحجر
خذني سلاحك
إن سر الله موضوع بأوهى من حجر
إن أول ما نلاحظه بعد قراءة لتلك الأسطر الواقعية التي جعلت الحجر ينطق، وهذا
هو الزمان الذي أنطق الحجر، ولو ذكر الشاعر مبرراً واحداً لكفى، فكيف به يسوق
صوراً مسّت الديانات والحياة وأزهقت الأرواح، وامتلأت القبور بأجساد الأبرياء
من الأطفال والشيوخ، والنساء، فربما يكون للحجر تأثير أقوى من الأسلحة التي
يحملونها.
اعتمد الشاعر في نقل الصور الكثيرة التي تضمنها كل سطر، على الدفقات الشعرية
البسيطة لتتناسب مع وقع الخبر، فالأمر لا يحتاج إلى إطالة وإسهاب، بل يحتاج إلى
نقلات سريعة، فكانت الأفعال لتتناسب مع الحدث.
ولو تتبعنا لفظة " الحجر " في الأسطر السابقة لوجدنا أنه البطل الحقيقي فيها،
فقد تكرر مرّات عديدة، من خلال التجسيد المتميز الذي إبرزه، فتارة اهتز، وتارة
قفز، وتارة أخرى صاح، ورابعة خذني، وجميعها جاءت لتبرز القيمة الحقيقية للحجر،
في محاولة إلى إعادة سيرته الأولى، وهذا يذكرنا بأبرهة الحبشي عندما أراد هدم
الكعبة، فكانت الحجارة من سجيل.
وننتقل إلى المقطع الأخير من القصيدة التي اعتقل منها الكثير، وما هذه الأسطر
إلا ما تبقى في الذاكرة:
خطر... خطر
خطر... خطر
صاح الشباب
تجمعوا.. نقلوا مواقعهم كعاصفة تزمجر
بالبروق
وبالرعود
وبالمطر
في الشارع الخلفي
مجموعاتهم نصبت حواجز من إطارات مؤججة
وأكوام أحجار
سدّت على بعض الذئاب الدرب
فانفجرت تراوغهم.. فتعوي
من لهيب النفط يشويها
فتبحث عن مفر
شريط من الصور متصل ببعضه البعض يظهر إلينا صورة ما يجري، وربما البعض يقول بأن
الشاعر يعكس الواقع كما هو، ولكن نقول بأن الشاعر أضاف إلى مهنته مهنة أخرى،
وهي تأريخ الواقع شعراً، وما نقله الواقع بعد تحويلة إلى لغة منطوقة، إنما
ليعبر عن صور الصراع المختلفة مع العدو، ويبرز صورة التلاحم بين أبناء الوطن
الواحد ضد السلطة العسكرية الإسرائيلية، فنحن مع شاعر يستخدم حواسه جميعها في
إبراز الصورة، وموظفاً مشاعره لخدمة العمل الفني الذي يبدعه، مستعيناً
بالموسيقى باعتبارها عاملاً مؤثراً من عوامل التأثير الجمالي والنفسي، وكذلك
البنية الفنية للنص، فتتناسب الحروف مع الإنفعالات، والكلمات مع الأحاسيس،
والنص مع التموجات الإنفعالية.
ثم يعرض إلينا الشاعر كيف تكون المواجهة :
ضربوا على الفارين طوقاً من سعير
..... من شرر
فأصاب قطعان الذئاب الخوف
والهلع المحنظل والخورْ
هبّ الرصاص يمزق اللحم المباح
لمن طغى...
ولمن كفر....
الذي يبرز لنا في هذا المقام بأن الشاعر ابتعد عن لغة الخوف والبكاء، واستند
فيما يقول على ما يراه من أباء شعبه، على التحدي والمواجهة، ومن هنا يمكننا
القول بأن هذا الشعر، أو الشعر المعاصر بعامة نفض عنه لباس الخوف والعويل، إلى
لغة جديدة تتناسب مع المرحلة، لأنه لم يجد في تلك اللغة ما يرجع الأوطان، ومن
هنا كان اعتماد الشاعر أبرز كيف دبّ الخوَر في الجنود، أما الشعب فقد تصدى
للرصاص فسقط عمر برصاص الذئاب:
بعد الظهيرة عاد أبطال الحجارة
يحملون النصر في موت عمر
لم يكن الشاعر خيالياً، ولا يريد أن يبرز موقفاً درامياً، بقدر ما يريد فعلاً
أن يبرز الواقع بصورته الحقيقية، وبالتالي يعكس مشاعر الناس جميعهم، من خلال
استشهاد "عمر".
وربما تكون القصيدة التاليةواحدة من القصائد التي كانت السبب في معاناته
الجسدية وتقييد حريته من خلال السجن والإقامة الجبرية داخل منزله، يقول "إلى
الرقيب العسكري الذي يحاول خنق كلمتي بعدم إجازة نشرها"وهي بعنوان" حرفي
...والرقابة"
عجباً: لأمرك يا رقابة!
صوتي يحاصر خلف حنجرتي
يطارد مثل عصفور على أشجار غابه
ما كان حرفي ذات يوم يا رقابه كالذبابه
حرفي وديع كالخراف على مياديني نقيٌّ
كابتهالات الربابه
حرفي نظيف كالسحابه
لكنه سيظل عزماً كالرصاصه
ذائداً عن حوض يحمي رحابه
لغة الشاعر عزم متوقد، يستخدمها في الدفاع عن ذاته ووجوده وكينونته كإنسان،
مستعيناً بالتشبيهات لإبراز تأثير الصورة ووقعها على النفس، ورغم أن الشاعر
يعيش حالة من الصراع النفسي، إلا أنه لم ينس أن يوظّف الكلمة التوظيف الأمثل
ومن ثمّ حشده لكثير من المعاني ذات الدلالات النفسية البعيدة الأثر في النفس،
فهو لا يسوق لنا تجربة ذاتية فقط، وإنما أخرجها عن دائرتها إلى العامية،
فالموقف رغم انتمائه للشاعر إلا أنه يمكن أن يتكرر مع غيره، وبالتالي يسوق لنا
تجربته التي من الممكن أن تنسحب على الآخرين.
أسمعت يوماً عن عصابة؟؟
تخشى الحروف تخيفها لغة الخطابة؟؟
فالحرف
مهما قيّدوه...وعذبوه
يظل يستمري عذاه..
ويظل غيماً مثقلاً بالبرق
والغضب المؤجج
فالشتاء يدق بابه
ويظل سفوداً بعينيْ ظالمٍ
ويرد للباغي حسابه
ليس عجباً أن يكون للحرف تأثيره الأكبر من الرصاصة، فالرصاصة تقتل، ولكن الحرف
ينتقل من إنسان إلى آخر، وبه تُفتح أشرعة للنضال، فكم من قصيدة قيلت داخل
المعتقلات وكان لها تأثير كبير في تأجيج مشاعر النقمة للمحتل، وكم من شهيد أقدم
على الشهادة منفرداً، وهنا يحضرني قول أحد القادة العسكريين الكبار قوله: لو أن
كل فلسطيني قرأ قصيدة فدوى طوقان " آهات أمام شباك التصاريح " لأنبت سبعة
مقاتلين "، ولكن إذا استطاعوا اعتقال الجسد، فإنهم لن يستطيعوا اعتقال الفكر،
وما إبرازه لهذا الموقف من أجل إظهار موقف بطولي ضد القوات الإسرائيلية، بقدر
ما يريد أن يكشف زيف حقيقتهم التي يتبجحون بها أمام العالم، بأنهم دولة
"الديمقراطية "، ولكن هل استسلم شاعرنا لمثل هذه المحاولات؟
عجباً لحاكمنا؟!
يخاف النور.. يفقد ذاته في الشمس
يعييه التساؤل والإجابة
عجباً!!
إذا غنيته شعراً
أصابته الكآبة..
وأضاع عند حدود مملكتي صوابه
شعري...
يثير جنون حاكمنا
فيستعدي على حروفي كلابه
وكلاب حاكمنا: رَقابه
وكلاب حاكمنا : رَقابه
وإذا كان الشعر اعتراف وتعبير عن خلجات النفس، فإنه يعايشنا تجربته التي خاضها
مع الرقيب والحاكم، كواحدة من تجاربه المتعددة، وقد رأيناه كيف أخرج مخزون
الحقد من خلال إغتيال الكلمة على يد هذا الرقيب.
هذا اللون من القصائد السياسية يحمل في مضامينه معاني ودلالات كبيرة تخرج من
دائرتها التي ذكرها الشاعر، إلى دائرة الإضطهاد الفكري، وتحجيم دور العقل،
وصياغته بما يريد الرقيب فقط، وهذا يبرز بجلاء كيف يعامل الصهاينة المثقفين
والمفكرين من أبناء الشعب الفلسطيني.
وقد تناول الشاعر في الجزء الأول منه، وعلى مدى مائة صفحة الأوامر التي صدرت
باعتقاله، وما صحبها من قرارات ومرافعات ومداولات ومحاكمات، أمّا الجزء الأخير
من الكتاب الديوان، فقد ضمّ ست قصائد للشاعر قالها في معتقل " الجلمة"
15-6-1990، وقصائد أخرى تضامنية لكل من د. جمال قعوار، وادمون شحاده، وعطالله
جبر، وسهيل سليم محاميد، وسامر خير، وأرفق مقالتين لكل من الكاتبة المصرية
"فريده النقاش" التي تمثل وجهاً وطنياً مصرياً مشرّفاً في كتاباتها ومنهجها
وفكرها وسلوكها، وللكاتب" رجاء بكريه" مقالتين يظهرا تضامنهما مع الشاعر.
أما القصيدة الخامسة يقول فيها:
أيها الحرف الذي أعطى علوماً وشموساً
ونجوماً حين أزهر
أيها الحرف الذي أصبحت في عصر الزنى
الدولي خنجر
طاردوني، أخذوني من صغاري
لم أقبّلهم وما أعطيتهم قبل وداعي لعبةً،
قطعة سكر
فتشوا بيتي، ثيابي، كلّ سفر كل دفتر
قلبوا الدنيا، يريدون دليلاً
والدليل المرتجى في الصدر عشق يتغجّر
عاشقاً أرضي سأبقى
عاشقاً أهلي سأبقى
لست أكْسَرْ
لست أكسر،
********
أيها " الحلاّج " هل تسمع صوتا ليس
يُقهر ؟؟
أيها " الحلاج " أدعوك من التنين
فاسمع قصّة الضوء المكسّر
من بلاد اللبن الأسود والشهد الذي
أصبح مُرّاً وتخثّر
********
وضعوا السلاسل في يديا،
أخذوهما نظارتيّا
قالوا: إلى التحقيق وانهالوا بطوفانٍ
عليّا!!
********
أدخلت في قفص بحجم حذاء جندي
مُضامْ
من كوة في الباب يأتينا الطعام
من يأكل الخبز المقدد والمغمس
بالرغام ؟؟
ما زار عيني الكرى
فالنسر في قفص حديدي ينام
في الأرض ثقب، منه تأتينا الروائح
والمكاره والزكام
شكراً لأجهزة الظلام
شكراً لأجهزة الظلام
*******
لم تكن حرية التعبير في ليل الخنا
إلا سراباً يتموّرْ
أيها الحلم المبعثر
طِرْ إلى قلبي فعُشُّ القلب أخضر
هذه خمس قصائد للشاعر أوردناها لنقف على أربع حقائق: الأولى: تتمثل في إظهار
أساليب كبت الحريات في بلد " الديمقراطية "، والثانية: إبراز التفكير الضحل
للسلطة الحاكمة التي تجعلهم يعتقلون الكلمة لخوفهم منها، أما الثالثة: لنبرز
كيف مورست أساليب القمع التعسفي على شاعرنا، والأخيرة: التحدي والمواجهة
والنصر.
وتعتبر هذه القصائد- بالفعل - صرخات مدوية غير مستسلمة، ولا خائفه، متحدية غير
مستكينة، لا يعرف الهوان طريقه إلى معانيها، وإنما تتمثل فيها القوة رغم بساطة
عرضها وهذا راجع إلى الصدق الذي يكتنف كل ألفاظ النص.

وننتقل بعد ذلك إلى دراسة أخرى للشاعر، ومن خلالها نسلط الضوء على قصيدة واحدة
من كل ديوان، من دواونه التي صدرت حتى الآن، مخالفين المنهج الذي سرنا عليه من
البداية، لنتتبع صورة الشاعر ومنهجه وتفكيره وانتماءه الوطني لكل الأرض
الفلسطينية، ومن ديوان " مأساة القرن الضليل" نقف على قصيدة بعنوان" أغنية
لبلادي":
أغفو على اسمك يا بلادي وأد حبّك في فـــــــؤادي
إني أحبّك في دمــــــــي قدراً يعذر بي عنــــــادي
أهفو أقبّــــــــــــل كـ رٍ السهول وفي الوهـــــاد
أشتاق أن أنهل مــــــا ءً يرتوي بي كل صـــــاد
أو أن أكون النور يغـــ سل وجه أرضي من فساد
لو كنت عصفوراً يـح! م، يرتمي في ظــــــــل واد
لعشقت أزهار الجلـــيـ ل تضوع من أعطاف شاد
تتجلى الرومنسية في الأبيات السابقة بكل معانيها، ممزوجة بوطنية الشاعر، فهو
يعبر عن حبّه لوطنه، مستعيناً بالطبيعة كعادة الرومانسيين في هذا المقام، وهذا
الحب الذي أظهره خلف الصيغ الفعلية ناتج عن وحشة الغربة التي يشعر بأنه سيعيشها
نتيجة مصادرة الأراضي الفلسطينية وتهويدها. ولننظر إليه في الألفاظ التي ساقها
مع إيحاءاتها" أغفو، أحبك، أهفو، أشتاق، أعشق " هذا التزاحم في اللفظ فرضه
الواقع، ولم يكن للشاعر دخل فيه، وإنما تحركت في داخله مشاعر الوجد والحنين،
لتصوغ لنا ما يختلج في صدره، وقد ذهب به خياله إلى أبعد ما يمكن أن يتصور، لقد
تمنى أن يكون عصفوراً ليتنقل بين أغصان الجليل، ولكنه لم يعلم بأنه لو تحقق له
ذلك، فلن يستطع، لأنهم يقتلون الحياة في الحياة.
زيتونتي افتقدت حبيـــــــــــــــ باً ضاع في ليل الســــــــــــــــاد
والبرتقال يموت حــــــــــــــــز ناً يلعن القدر الرمـــــــــــــــادي
واشتاق بَيدرنا لمـــــــــــــــــن جلبوا غِلالاً من حصــــــــــــــاد
سمّاره أصواتهـــــــــــــــــــــم في سمع قريتنا تنـــــــــــــــــــادي
لم أنسهم يا ريح رغــــــــــــــ م المع والدم والبعـــــــــــــــــــاد
غده هناك يلفّـــــــــــــــــه الآ تي بأثواب الحـــــــــــــــــــــداد
سكنوا دمي، من خافقــــــــــي أعطيتهم دفء المهـــــــــــــــــاد
لا ارتحْتَ يا جفني!! أحتضــــــ نهم في المنام وفي السهـــــــــــــاد
ما للضمير كعاهـــــــــــــــــــر داست نواميس الرشــــــــــــــــاد
يُشترى يُباع كمومـــــــــــــــسٍ جوّالةٍ بين الأيـــــــــــــــــــــادي
بئس الضمير إذا بقـــــــــــــــي وإذا ارتضى حكم الزنـــــــــــــادِ
لقد اتخذ الشاعر من خلال الحنين إلى الأرض، وما تنبته فيها، مبعثاً للتحدي وعدم
الإستسلام، فحذّر من التفريط بها، والتنازل عن شبر واحد منها، فالرضى بحكم
الدخلاء، كمن يرضى بالتنازل عن عرض، وهل فينا من يقبل ذلك؟.
هذه اللغة التي استخدمها الشاعر، تناولها شعراء المهجر، من خلال الحنين إلى
الأوطان، ولكن الفارق هنا يكمن في أنهم هاجروا لأسباب شخصية، أما الشاعر فإن
هجرته روحية، وهي أخطر من السابقة، لهذا ركّز الشاعر على عدم التفريط بها.
ويتابع الشاعر إبراز حبه وحنينه إلى الوطن من خلال الجزء الأخير من القصيدة:
أغفو على اسمك يا بــــــــلادي وأضم رسمك في فـــــــؤادي
أنا من جليلك خنجــــــــــــــر يرتاح في صدر العـــــــوادي
أنا شوكة الصبار تـــــــــــــــد مي حلْقَ من يبغــي ازدرادي
شفتاي باسمك تلهجــــــــــــــا ن كعاشق في كل نــــــــــاد
وعلى هدي الأجــــــداد سِرْت أحبّ أرضي صِنْوَ ضــــادي
هذا السواد غبار صيــــــــــــــ ف في جبين الشمس بـــــاد
يا أيها الإعصار منـــــــــــــــــ ك عقيدتي وبك اعتقــــادي
سلّم عليهم عبّر خــــــــــــــط الشوك شُدّ على الأيـــــادي
فغدا خيول الفجــــــــــــــر تمـ سح كل جرح يا بـــــلادي
ربما يكون للموسيقى دور كبير في الوقوف على الألفاظ التي ساقها الشاعر للتعبير
عن الفكرة، ولما لا وللموسيقى دور أساسي في بنية الكلمة، وإظهار الإنفعالات
الكامنة داخل نفس الشاعر، ومن خلالها تبرز الكلمات التي تمنح القصيدة بعدها
المطلوب، وإذا حاولنا في هذا المقام إستقراء الجزء السابق، والنص، فإننا نجد
إعتمداد الشاعر علىالألفاظ ذات الخصائص الصوتية التي تتناسب مع حالة اللاوعي
التي يعيشها الشاعر، ومن هذه الوسائل أيضاً، اعتماده على التنويع الصوتي في
إبراز الفكرة، ما بين تقريري، وانفعالي، وندائي، وخبري.
إذن نحن أمام شاعر ينتقي -برغم حالة اللاوعي- ألفاظه لتناسب الموسيقى والحدث،
ولو تتبعنا النص تمحيصاً، فسنجد الشاعر قد ربط الحنين للوطن برباط التحدي
والمواجهة.
أما ديوان " دروب ملتهبة " فنقف على قصيدة بعنوان " رسالة إلى شهداء يوم الأرض"
حيث يستخد الشاعر قافية " الدال " الذي يعتبر من الأصوات الإنفجارية، والقصيدة
بكاملها انفجارات من الدماء، وثورات داخلية ناتجة عن إرهاصات متراكمة عبر رحلة
من العذابات، ومازالت.
الصورة التي ينقلها لنا الشاعر واقعية مستمدة من ميدان المعركة، حيث بدأت رحلة
التصدي التي نادى بها الشاعر في القصيدة السابقة، من أجل الأرض، وهل هناك أغلى
من الأرض!، وتحتاج إلى التضحيات والدماء:
هذي دماؤك يا شهيــــــــــــدي تسمو منائر في وجـــــــودي
من كل قطرة عَنْــــــــــــــــدم لمعت سيوف ابن الوليـــــــد
ما أطهر الدم حين يُســــــــــــــ فك في الدفاع وفي الصمــود
ما مات أبناء الجليـــــــــــــــــ ـيل بل استكانوا في الخلـــود
ما مات شعب شامــــــــــــــخ أقوى من القدر العنيـــــــــد
شعب يخال الموت عُـــــــــــــر ساً في الدفاع عن الوجــــود
كما نرى فلقد اتخذ الشاعر -كغيره من الشعراء - من الموت خلوداً، ومن الدماء
دروباً مضاءة، فما أعظم من أن تسيل الدماء من أجل الوطن،وهاهم أبناء الجليل
يراقبون الأمر، دون استكانة، وإذا كانت صيغة المبالغة المعنوية في قوله " أقوى
من القدر " أدت وظيفتها الكاملة في هذا المقام، فلقد كان هدف الشاعر منها
الترهيب، وبث روح الحمية في النفوس، من أجل الأرض.
إننا هنا أمام شعب عاشق لتراب الأرض، يفهم معنى التضحية، ويقبل عليها دون
تفكير، ومن أجل هذا فإن الموت أو الشهادة تتحول إلى عرس فلسطيني، وكم من
الأعراس أقيمت على ثرى الأرض، ومازالت العروس تنتظر من يضحي أكثر، فالأرض ثمنها
غالٍ.
هذه اللوحة لا تتكرر إلا في الشعر الفلسطيني، وربما ينفرد بها، وما عبارة " يا
أم الشهيد زغردي " موالاً حقيقياً في التراث الشعبي الفلسطيني بعد أن كان
أغنية.
ولا أبتعد كثيراً إذا قلنا بأن تناول الشاعر لشخصية خالد بن الوليد، ليس لضرورة
القافية، بل لأن خالد يمثل بسيفة علاقة خاصة فيما جرى على الساحة الإسلامية زمن
الرسول محمد عليه الصلاة والسلام، وما استلهامه لهذه الشخصية إلا ليبرز هذه
العلاقة، ويربط الماضي الإسلامي بالحاضر والواقع، لوجود علاقة مشابهة من وجة
نظر الشاعر.
وينادي على الأرض، ليجسد فيها صورة الإنسان، والحبيب والعاشق:
يا أرض ! إن ناديتنـــــــــــــــا لوجدتنا عند العهــــــود
لوجدتنا في السّهــــــل في الـــــ ـوادي وما فوق النجـــود
لوجتنا في كل عــــــــــــــــــا صفة لنا عزم الرعــــــــود
يا أرض ! بعد الله عنـــــــــــــ ـدي، يا دمائي في وريـدي
المشاعر التي يسوقها إلينا تظهر إحساسه بفقد الأرض، وهو هنا يطمئنها، بأننا على
العهود، وأننا سنلبي النداء لحظة المناداة، هذه الصرخات التي تحنو قليلاً كلما
ذكر اسم الوطن من خلال الأساليب التي يسوقها، تبرز الحرقة والأسى على الوطن،
وما لغة الحزن هذه إلا نتيجة الصراع النفسي الذي يعكس رؤى ابتعدت عن الخيالية
لتركن إلى دائرة الواقعية، هذا الصراع النفسي والعقائدي والحضاري، سيكون الغلبة
لمن لهم الحق فيه، لهؤلاء الذين يدافعون عن الوطن دون استكانة وهوادة.
ويتابع الشاعر داليته الإنفجارية، وتدور حول موقف إنساني متميز:
يا حاملا راية السّـــــــــــــــلا م ألا كففت عن الوعيــد
يسراك تحمــــــــــــــــل وردة وتميت باليمنى وليـــــدي
قلتم لنا: كونـــــــــــوا جســو ر السِّلم في زمن الصـدود
ماذا نقول لإخـــــــــــــــــــوة في خيمة عبر الحـــــــدود
أنقول: تُسرق أرضنــــــــــــــا أنقول نحيا كالعبيـــــــــد
أنقول: نُضرب كاليتـــــــــــــا مى حول مائدة الجحـــود
السلام القائم على الغدر مرفوض، ولكننا نقبل بالسلام الحقيقي، الذي يعيد الحق
إلى نصابه، ويعيد المهجّرين إلى أوطانهم، لينعموا بخيرات بلادهم لا أن يعيشوا
عيشة العبيد.
لقد اعتمد الشاعر في كشف غدر اليهود على أساليب المراوغة التي يستخدمها، والتي
هي جزء من عقيدتهم منذ الأزل، فهم ينادون بالسلام، ومن طرف آخر، يقتل إنساناً،
فكيف يمكن أن يتفق ذلك .ويواصل رحلته مع الأرض:
هذي دماؤك يا شهيـــــــــدي عطر على أرض الحدود
أنا لا أخاف الظالميــــــــــــــــ ـن ولا جنازير القيـــــــود
أنا لا أخاف بريق خنـــــــــــــ جرهم ولا هول الحديــــد
فالحق أقوى من ســــــــــــــلا سلهم ومن بطش الجنـــود
قوة الحق التي اعتمد عليها الشاعر تستطيع أن تواجه جبروت الإحتلال، وظلم
المحتلين، هذه القوة المعنوية تمثل منطلقاً للشهادة من أجل الحياة الحرة
الكريمة، وطريقاً لا يسلكه إلا من يؤمن بأن هذه الأرض أرضه، وأرض أجداده، وما
الدماء التي تسيل عليها إلا لتجديد العهد للأرض، ومواصلة التضحية والفداء من
أجل استعادتها.
هذه الصور المتلاحقة تبرز حالة الإنفجار الداخلي عند الشاعر، فلا هو يريد أن
يسقط همومه فقط، ولا يريد أن يوقظ مشاعرنا، وإنما أراد أن يفتح مع العدو صراعاً
مستمراً لا ينتهي إلا بانتهائه، ولننظر إليه كيف يصوّر إلينا صورة الشهيد" هذه
دماؤك عطر" .
ونصل إلى المقطع الأخير من النص:

الأرض نادت أهلهـــــــــــــــا لبى النداء لهت شهيـــدي
مَنْ مات يصده الرصـــــــــــــا ص مدافعا دون المهــــود
فالخلد منه الطهـــــــــــــــــــو ر أن ثوى بين اللحـــــود
صوت الشهيد مزمجــــــــــــــر في سمع قائله الحقـــــود:
الأرض أقوى من ضــــــــــــلا لكم وأبقى من ثمـــــــود
حيث يرتكز فيه على ثلاثة محاور، الأول : نداء الأرض، والثاني: خلود الشهيد،
والثالث: الحق أقوى من الباطل، ومن خلال الربط بينهما صاغ الشاعر تلك المعاني
بما يناسبها من ألفاظ، فعندما نادت الأرض، لم تجد إلا أهلها، فكان الشهيد،
وعندما سقط الشهيد، وروى الأرض، فالخلود له، ومن خلاله برز الحق وزهق الباطل،
هكذا نادت الأرض بلغة أهلها، متحدية كل الأزمان والعصور.
في الأبيات السابقة لم نر الشاعر يقيم الدنيا ويقعدها لاشتقاق الصور والمعاني،
وإنما استخدم الأسلوب المباشر من الألفاظ في إبراز الأثر الإنفعالي للموقف
الشعوري، فهو يعرف متى يوظف اللفظ توظيفاً يخرج عن دائرته إلى دائرة أخرى،
لتتناسب والأثر النفسي الذي يسقطه على اللفظ، لهذا استخدم الشاعر القافية
الموحدة لما لها من تأثير نفسي عميق، ولتحدث الأثر الإنفعالي المطلوب في
المتلقي، من خلال الموسيقى الخارجية، ومحاكاتها مع الموسيقى الداخلية من خلال
الألفاظ والحروف والتدوير، إضافة إلى استخدامه التفاعيل البسيطة حتى يكون لها
وقع وتأثير أعمق من التفاعيل الطويلة والتي تحتاج إلى وقت لنهاية الكلمة،
وبالتالي تأثيرها يكون أكثر بطءاً.
وننتقل إلى قصيدة أخرى من ديوان " وطن... وعبير" وقصيدة " خالد فتح الله
الفلسطيني " وللعنوان معاني ودلالات كثيرة، منها المعنوي، ومنها الموضوعي،
والواقعي، والقصيدة رسالة من شهيد إلى الوطن، يقول فيها:
أعود إليك يا وطني
أعود إليك
لألقي كل أشواقي
على كتفيك
أقبّل أرض أمجادي
وأملأ صدري المخزون عطرا
من شذا زيتون أجدادي
أطير على سهولك... أنتشي
في ذروة القنن....
أضم ترابك الممهورَ من دمنا
إلى قلبي... إلى أذني
لأسمع وقع أقدامٍ على التاريخ تنزرع
لقد كانوا هنا أسيادَ هذي الدار فاقتُلِعوا
كل لفظة ساقها الشاعر لها مخزون نفسي وعاطفي" سنرى أعود، أشواقي، كتفيك، أقبّل،
صدري، عطرا، شذا، أنتشي، ترابك الدم، أقدام التاريخ " جميعها تظهر تأثير
الكلمات ووقعها في النفس، إضافة إلى كونها رسالة من شهيد، فاستندت إلى طاقات
ذاتية، وإيحائية في آن واحد لا يمكن أن تتوفر لإنسان عادي.
الرسالة في حد ذاتها لها أثر انفعالي خاص، والألفاظ التي ساقها أيضاً لها
أيضاً، أثر انفعالي خاص، ثمً ينتقل إلى الأماكن المقدسة، وهل هناك أكثر قداسة
من مهد المسيح عليه السلام، وكذلك الأقصى، لما له من قداسة خاصة، وما ولوج
الشاعر إلى هذين المكانين إلا من أجل تخفيف ما بصدره من ألم، علّه يجد الخلاص
من خلالهما، فماذا يقول الشهيد:
أعود إليك يا مهد المسيحِ
وفي زوايا القلبِ أكداسٌ من الشّجن
أعود إليك يا أقصى‍
لأطفئ نار حقدهمو..بأهدابي
بماء العين.. بالبدن
مهد المسيح، والأقصى، يفتحا الكثير من الهموم، والجراحات، ويغرقنا في بحر لجي
لا نهاية له، وما استناد الشهيد في رسالته إليهما إلا لبعث الهمم، ومحاولة بث
روح العزيمة في النفوس، وما التقاط الشاعر لهما إلا لما يوحيه هذان المكانان
المقدسان عند الديانتين المسيحية والإسلام.
ونقلنا الشاعر في المقطع التالي إلى التراث، في محاولة لتذكيرنا بالقادة ودورهم
الكبير في إعادة الحق الضائع، مستنداً إلى التراث:
حصانك يا صلاح الدين لم يهن..
ولم يخن
جليلك يا فلسطيني
سيبقى بؤبؤ العينين
رغم البُعدِ والشجن
وقدسي - قلبنا المكلوم
ترفض شرعة الوَثَنِ
مازال الشهيد متفائلاً، ومازال يمسك بزمام الأمور، لكنه استنطق التراث لتكون
منهاجاً، فهذا صلاح الدين مازال راكباً فرسه، ليجانس اللفظ بالزمن، ليوحي
بالقوة الجسدية التي لابد منها في هذا الزمن، إضافة إلى القوة المعنوية التي
يستند إليها.
لكن تكرار الشاعر لكلمة الجليل في أكثر من قصيدة، ومكان، ربما يبرز الصورة التي
أصبح عليها الجليل من تهويد للأرض، وهجرة داخلية قصرية عنه، إلى مدن أخرى،
ولننظر إليه في هذه الأسطر التي تعبر عن هذا المضمون:

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


ريانيه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-14-2005, 10:39 PM   رقم المشاركة : 7
معلومات العضو
ريانيه
 عضو متقدم 
 
الصورة الرمزية ريانيه

 

إحصائية العضو












افتراضي


 

لقد كان لنا يافا
وبياراتها مجدولة الغصن
لقد كانت لنا حيفا...
وكرملها على كتفيه هدْهدني
لقد كانت لنا عكا..
فهل أسوارها يوماً ستُنكرني
وحطيني أتنساني...؟
استخدم الشاعر على لسان الشهيد الفعل الناسخ" كان "فهذا الفعل يتضمن معاني
داخلية تبرز بأننا أصحاب حق في هذه المدن التي يربطها الشاعر بخراجها، وبما
تشتهر به، والآن قد تغيّر الحال، وما استخدامه لهذا الفعل ، إلا ليؤكد على
أحقيتنا بالأرض، وعليكم تحمل مسؤولية عودتها، فهذه أسوار عكا، وحطين شاهدتان
على وجودي، ولست مجرد عابر على هذه الأرض.
ويقترب الشاعر من الوطن، ويعود إليه من المنفى، ومن معاناة الغربة الجسدية
والروحية، بعد أن تشردنا في بلاد الله، لا نجد ما يروي ظمأنا، أو يقيت جسدنا:
أعود إليك يا وطني
من المنفى... من العفن...
تشردنا جياعا في بلاد الله
من مدن...إلى مدن
ودمع الأهل مثل العارض الهَتِنِ
عندما يذكر الشاعر المنفى تقتحم عليه الكثير من العبارات القاتلة والمشاعر
الباكية، والذكريات الأليمة، فجاء تصويره للمنفى مفعماً بكل المشاعر المأساوية.
يقول أبي:
لقد جاؤوا على السفن
فكان البحر يحمل غلطة التاريخ والزمن....
يلخّص الشاعر على لسان الشهيد، ومن خلال حوار مع أبيه صورة هؤلاء الذين جاؤوا
على السفن من كل حدب، ونزلوا بأرض لا يعرفونها، لتكون لهم أرضاً، وليتخذوها
دولة لهم على حساب شعب آخر.
شربنا الذل يومياً
وأطعمنا الصغار قذىً..
جمعناه عن الدِّمن
لقد أُتخمت أنواعاً من المِحَنِ..
فوجهي يحمل المأساة ألواناً من الغضنِ
وأشكالاً من الوهن
ولكني..رضعت هواك يا وطني
فرُحتَ تجوب في نبضي
براكيناً تفجّرني..
ورغم المعاناة القاسية التي عشناها جميعاً، صغاراً وكباراً، ورغم علامات الأسى
االمحفورة في الوجوه، إلا أن هوى الوطن يدفعنا لتحمل أكثر من ذلك، هذه الثورية
التي فجّرها الشاعر من خلال الكلمة رغم انحسار المد الثوري الفعلي في ذلك
الزمن، يثير فينا كل مشاعر البغض والكره لهؤلاء الأقوام الذين جاؤوا بخطئ
تاريخي إلى الأراضي المقدسة، ليشهد العصر من خلالهم على جريمتهم النكراء.
هذه التراكيب في مجملها تنتمي إلى عالم الواقع، وإن ضمنها الكثير من الذكريات،
وكأنها تنتمي إلى الخيال، لتنويع العاطفة، ولتحدث التأثير المطلوب في النفس ثمّ
جاءت الوصية الأخيرة على لسان الشهيد:
وأوصي أن تزغرد لي...
وأن تدعو على الأشهاد في العلنِ
" يموت اليوم لي ولد على درب الرجوع
فداك يا وطني!!"
لغة الشاعر تحمل نبضاً حياً متجدداً، ورسالة إلى الأجيال القادمة لتحمل راية
الجهاد والعودة إلى الوطن مهما كلف من ثمن، فحياة الغربة بما تحمله أحياناً من
مهانة وذل كفيلة بالإنسان أن يرجع إلى رشده، ويعود إلى الوطن، فهوية الفلسطيني
لا تتحدد إلا بعودته إلى أرض أجداده وآبائه
ومن ديوان" أنادي ... أيها المنفى " نقف على قصيدة بعنوان " بيروت والمنفى "
حيث يمثل هذا الزمن بداية مرحلة جديدة للنضال السياسي الفلسطيني:
أزِفَ الرحيل
لم يبق غير رجولة الأبطال
والصمت الثقيل..
لم يبق غير عيون أطفالٍ يفجّرها العويل....
مشاعر الحزن سيطرت على الألفاظ، وصاحبه حزن مستمد من واقع الهجرة الجديدة للشعب
الفلسطيني، إن حجم المأساة اليوم ربما يتوازى مع حجمها القديم، فسابقاً هاجر
الشعب، واليوم هاجرت القيادة والجند، وبقي الشعب، وفي كلا الحالتين هجرة قاسية،
وجاءت بعد معركة طويلة مع العدو الإسرائيلي وصلت إلى مشارف بيروت، وانتهت بعد
إثنين وثمانين يوماً، برحيل القوات الفلسطينية إلى منافٍ جديدة، هذه اللوحة
تحمل ظلم القريب والبعيد، وتعبيراً عن لحظة من لحظات التاريخ القاتم الأصم، ولم
يقتصر الأمر على الرحيل، ولكن المأساة الحقيقية تكمن في أن القريب رفض
استقبالنا:
رفضت بقاع العالم العربي ضيفاً نازفاً
جرحاً يسيل
صغرت بقاع العالم العربي حتى أصبحت
مسخاً بحجم البصقة الصفراء يلفظها عليل
وإذا كانت الصراحة مؤلمة، فإن الأكثر إيلاماً، هو الجرح النازف الذي لم يجد مَن
يضمده، حتى بعض الدول العربية التي خشيت من استقبال الفدائيينحتى لا تُقابل
بجحود من دول كبيرة، حتى أن الشاعر لم يستطع أن يسوق إلينا هذا المنظر بألفاظ
عادية، وإنما تناول الموقف بألفاظ تناسب الموقف" مسخا، البصقة الصفراء، العليل"
وهذا يعني بأن الشاعر وصل به المقام إلى مقت الدول العربية التي أبت استقبال
الجرحى، فالأرض ضاقت إلى حدّ أن البحر فتح أزرعه لاستقبال المناضلين:
الأرض ضاقت
مرحباً بالبحر يحملنا إلى المنفى الطويل
وعيون حكام العروبة جامدات
مثل بلّور صقيل
لقد انصرف بعض حكام ذلك الزمن إلى متاع الدنيا كما يقول في الأسطر التي لم
نذكرها، وبالتالي يحملهم مسؤلية صمتهم، ووقفتهم متفرجين على الدماء النازفات
دون أن يحركوا ساكنا، فنحن نعيش حالة من القهر النفسي والمعنوي تختلج في النفس
جرّاء الصد من الحكام، وأما الشعوب فلا يستطيعوا أن يفعلوا شيئاً إذا هذا
الموقف المأساوي.
بيروت!!
يا حبّ المقاتل والقتيل
إنا سففنا من ترابك حين جعنا
والحصار يدق بابك
والبنادق والمدافع ..والمعاول والطبول
يرجع الشاعر إلى الماضي بما يحمله من ذكريات وانتماء إلى الأرض والوطن، وكم حنت
علينا، وكم صبرنا عليها في أحلك وأصعب الفترات، فالشاعر يبرز كيف كانت العلاقة
بين الفدائي والمدينة قبل الغزو الإسرائيلي لها، وكيف انصهرا في بوتقة واحدة.
بيروت!!
يا درع المقاتل والقتيل
لم ننس دفء جناحك الطاوي مآسينا
وأحزان التشرد والتمزق
والضياع المرّ
والليل الثقيل
والعالم العربي سكران يدغدغه الخمول
يواصل الشاعر تمجيده لبيروت، فقد كانت الملاذ الآمن لكل المقاتلين، في فترة كان
العالم العربي يعيش في دعة وسكون، ولكن صفة التعميم التي أطلقها الشاعر لا
تتناسب والعالم العربي بعامة، فهناك من الشعوب من وقفت موقفاً بطولياً في
مواجهة حكوماتهم، ويتكرر التمجيد في الأسطر التالية، ولكن من زاوية أخرى :
بيروت!!
يا جرح المقاتل والقتيل
يتراهنون على دمانا في قصور الخزي
والشرف الذليل
يتقاسمون ثياب موتانا
وأشلاء الرجال...وأعين الأطفال
واللحم الممزق والمعلّق في الشوارع كالغسيل...
هذه الصرخات الصريحة التي يطلقها الشاعر لا يوجد فيها لون من التجني بقدر ما هي
زفرات متألم وباكي على الوضع العربي الحزين، لقد أخذ الوضع العربي من الشاعر
مأخذه وجعله يعيش في متاهات من الألم، وما الألفاظ التي ساقها لدليل على
المأساة، إن رائحة الدماء، والجثث التي مضى عليها زمن دون دفن تفوح من بين
ثنايا الأسطر، حتى وصل الأمر إلى التمثيل بأجسادنا.
الشاعر نراه يعيش المأساة، ويتفاعل معها، فتبرعمت التجربة لديه لتصل إلى ذروتها
من خلال المقطع السابق.
ويرجع الشاعر بفكره إلى ما قبل هذه الحرب القذرة، فيرى بيروت وطن الشعر والفن،
تتحول مع الحرب إلى وطن لأرباب الحشيش كما قال:
بيروت !!
يا معشوقة الشعراء والفن الأصيل
أبكي عليك ومنك يا ذات الغدائر
والعيون والقدّ الجميل
شرعت أبوابك للخصيان وأرباب الحشيش
وسادة الأفيون والبترول
والمجد المزيّف والدخيل
فلتشرئبي اليوم من بين الرماد
تريْ تماسيح العروبة
تأكل الدولار...تشربه
تعلّقه تمائم في الرقاب
لكي تردّ الكفر والعصيان عن شعب بتولْ
لقد ركّز الشاعر على بيروت باعتبارها عاصمة للفكر والفن زمن السلام، فكيف ستصبح
عاصمة للحشيش والأفيون كما يريد البعض لها أن تكون في زمن الحرب، هذا التركيز
الذي استند الشاعر فيه إلى الواقع قد غيّر صورة الحياة كاملة في هذه العاصمة،
وأصبحت تعيش كأنها بقعة من بقعة شيكاغو.
بيروت !!
يا قديسة الغرباء تحمل فوق كتفيها
شعار الطهر والمجد الأثيل
بيروت!!
يا نجما يميل إلى الأفول
تخذوكِ جارية يضاجعها لصوص العصر!
رعديد...جبان أو عميل
بيروت فوق الشاطىء المغسول بالدم
تندب الأبطال إذ أذف الرحيل
وعلى سطوح بيوتها
يبكي الحمام
ينوح
يرتعش الهديل
بيروت
هل تدرين أن الشرق ماخور رذيل؟؟
وعروبتي!!
بين الموائد والسكارى أصبحت جسداً هزيل؟!
انتهج الشاعر في الأبيات السابقة أسلوباً يوضح من خلاله بأن الأيدي الغريبة
عاثت في بيروت بعد أن كانت تتمتع بكل معاني الكرامة والحرية والطهر، فهذه
الدماء التي سالت، وهذه الأرض التي تخضبت بدماء الشهداء تبكي رجالها الذين
رُحِّلوا عنها، فعندما رصد المدينة، تناول ما حدث لها من منطلق الواقع،
والحقيقة، ومن المواقف البطولية للشعب اللبناني والتفافه حول القيادة
الفلسطينية، ورغم ما حلّ بالمدينة ستبقى المنارة الفكرية كما كانت سابقاً، وإذا
كانت الصورة الشعرية جزءاً من بنية القصيدة الفنية، فإن الشاعر اعتمد عليها
اعتماداً بيّنا في الأسطر السابقة للوصول إلى الهدف الرئيسي.
ابتعد الشاعر عن التكرار، اللهم إلا عندما يبدأ بمرتكز جديد، يطالعنا الشاعر
باسم المدينة" بيروت " وربما لا يكون تكراراً في حدّ ذاته، بقدر ما هو لفت
للإنتباه إلى أن المدينة تمثل للشاعر الكثير من الإبعاد النفسية، مقارنة بين
وضعين متقابلين، وابتعدت عن الإستطراد والضطراب، واقتضاب المعاني وتناقضها.
فالتوظيف السليم للألفاظ لم يأت على حساب الموسيقى الداخلية، حتى أن استخدام "
اللام" وهي من الحروف البسيطه كقافية موحدة بين أسطر القصيدة.
التوازن الذي نراه في بنية القصيدة، في زمن اللاتوازن بالنسبة للحدث وتأثيره
على الشاعر، يمثل إبداعا منهجياً وفكرياً للشاعر.
ثم نفتح ديوان " أحزان المراكب الهائمة " ومع قصيدة" العشق والوطن" كواحدة من
قصائد الديوان المتعددة التي تعبّر عن وطنية الشاعر، والتزامه المنهجي الذي
يسير عليه الشاعر:
بيني وبينك عشق أيها الوطــــــــن فالأرض أنتَ، وأنت الروح والبــدن
بيني وبينك آمال تَسَد بنـــــــــــــا نحو الغد الباسم الأيام، يا وطـــــن!!
نحن الصمود على أرضٍ تقدسـهـــا والمهر من دمنا إن جارت المحــــــــن
في كل يوم لنا عرس وملحمــــــــة لا نبرح الأرض مهما يبلغ الثمـــــــن
في كفر قاسم : في سخنين يا وطني مات الرجال فما هانوا وما ذعنـــــوا
في ضفتي عزم أهلي هوج عاصفـــه أحرار غزة ما لانوا وما جبنـــــــــــوا
إنا لشعب كماة لا نُباد كمــــــــا بيدت شعوب فزالت وامحت مُــــدُنُ
من القصائد التي تمثل العلاقة بين الإنسان والأرض،حيث افتتحها بالتخصيص
والتجسيد عن طريق ضمير المتكلم، ليوحي بهذه العلاقة، مسترشداً بالمواقف
البطولية التي وقفناها، معرّجاً على المعارك " كفركقاسم" ليثّبت حقيقة هذا
الإنتماء والإنصهار، مبرّزا المواقف البطولية لأهلنا في الضفة، وفي غزة، ثم
مفاخراً بتراثنا وأصالتنا، وبأننا لن نزول كما زالت أمم سابقة، هذه المعاني
التي استند إليها الشاعر مصدرها الحقيقي هو الإنسان الفلسطيني، مستعيناً بكل
إرثه الحضاري، ومذكراً بالدماء التي سالت من أجل الوطن، وما هذا إلا دافعاً
لمواصلة الجهاد.
الشاعر يعبّر عن طاقات انفعالية وطنية داخلية مصدرها عشق الأرض، فلا نعجب من
شعب يضحي من أجل أرضه، ولا نستغرب من دماء تسيل، دون أن يقلل من عزمه شيء على
مواصلة الجهاد، لهذا استخدم أسلوب تقريري في عرض تلك الطاقات بعيداً عن الخيال،
لكنه أكثر كما رأينا من حشد الصور، بحيث أصبح لكل كلمة دلالة خاصة غير الدلالة
التي تبرز في الكلمة ذاتها، وقد أبرز الصور جميعها عن طريق التضحية والتحدي
والإصرار والفخر.
ويتابع الشاعر إبراز أسلوب العشق للأرض، حتى في الغربة القصرية:
لم ننس عبْرَ حدود النار إخوتنــــا لم ننس إن شطّت الأطلال والوكــن
يا خيمة الأهل في جنبيّ منزلهــــــا فيها الأولى ولدوا..منها الأُلى دفنـــوا
بيني وبينك عشق أيها الوطـــــــن تزداد جذوته ناراً ولا تهــــــــــــــن
فالحزن في جنبات الصدر ملتهـب أنى تلّفت آثار الألى طعنــــــــــــــوا
تبكي الطيور على الأطلال نادبــة شتات قوم بأرض خلْقهـــــــــا دَرَنُ
أبكي بيوتك يا يافا! فكيف غـدا أصحابها حيث لا أرض ولا سكـــَن
أبكي مساجد أهلي كيف أحرفها باغٍ ودنسها رجْسٌ به رعــــــــــــن
أرثي كنائس كم يسطو فيسرقهـا قوم تتار، فلا يثنيهمو رســـــــــــــنُ
مأساة الإغتراب التي يسوقها الشاعر، إنما هي جزء من المأساة العامة، فقد تحوّلت
المدينة إلى خيمة خارج الوطن، ليتخذ من معاناة الخيمة وغربتها صرخات مدوّية،
وبكاءً على الإطلال، وكأننا أما شاعر أندلسي يبكي كنائس، ويرثي مساجد، ودور
علم، ومدارس ومعاهد، هذا الصراخ ليس لضياع الأرض فقط، وإنما للمواقف السلبية
لكثير من الدول تجاه ما يحدث.
هذه الثورة العارمة التي اجتاحت الأبيات، تذكرنا بالإرث الضائع لبلاد المسلمين،
وما يحدث في فلسطين إلا سلسلة لهذا الضياع، ولكن الشاعر لم يذكر ذلك إلا من أجل
إلهاب الحمية في النفوس عامة، وإيقاظ المشاعر النائمة، لسد الطريق عن مدن أخرى،
وإرجاع ما تم اغتصابه.
حاول الشاعر تحريك مشاعرنا من خلال الطير الباكي، والمنازل الباكية والمساجد
والكنائس، علّ ذلك يكون دافعاً لوقفة جامعة في مواجهة هذا الإحتلال، لكن الحزن
الذي يسري في النفوس، والذي أبرزه الشاعر لا يمكنه أن يقدّم شيئاً في هذا
الزمن، ولا يمكنه أن يعيد أرضاً، ولا يخلق واقعاً مغايراً عن واقع الإحتلال،
فالمأساة عميقة، والجرح غائر، ولننظر إليه في هذا المقام:
إن تسأل الأرض في حطين عن شهـب غنيّ وزغرد في أسيافهـــــا الطعــــــن
ماذا أقول لها والدمع يزجرنــــي فكيف تنداح عن ساحاتها الحصـــــن
بئس الزمان زمان يُستَذل بـــــه أسياد أرضٍ ويعلو الغاصب العفــــــن
هذي بلادي بلاد الشهد يجرعـه مستوطن جَشعٌ في صدره ضغــــــــن
أمّا بنوها فلا ماء ولا شجـــــــر فالضرع جفّ فلا شهد ولا لــــــــبن
يتساءل الشاعر عن العدالة، وعن الحق كيف ضاع في هذا الزمان، وكيف تمّلك مَنْ لا
حقّ له بالتملك، ليأتي المستوطن يحمل في نفسه كل الحقد ، وينفثه في أصحاب
الأرض، ويطردهم منها.
اللغة الدرامية الحزينة التي يسوقها الشاعر من خلال أسلوب إحتلال واغتصاب
الأرض، تكمن في قدرته على نقل الحقائق ساطعة بعيدة عن الغموض والمبالغة، وربما
يكون هذا من أحد أسباب اعتقاله، ولهذا يجعلنا نعيش حالة من عدم الإتزان، فالأرض
ضاعت، وعلينا أن نبحث عن السبيل لاسترجاعها، وهناك الكثير من الشواهد ما تثبت
حقّنا في الأرض.
أرض الشتات غدت ناراً مؤججــــه لا تبصر العين فيها أو تعـــــي الأذن
لو كان فوق الثرى لي موطئ علــــم لانداح هول الليالي واستوى الحَجـَنُ
لو كان لي فوق صدر الأرض منطلق لارتد باغ وعاد الغائب القَمَــــــــنُ

من الطبيعي أن تصبح أرض الغربة والشتات ناراً، وجزءاً من المعاناة، ونفاجأ
باستخدام " لو " وكأنه يرد أسباب ما حدث لعدم تمتع الشعب الفلسطيني بدولة كغيره
من شعوب العالم، وربما يكون ذلك من الأسباب التي دعت إسرائيل للقيام بهذا
العمل، ولكن حتى وإن لم يكن للشعب الفلسطيني دولة، فهل يحق لأي قوى غاشمة أن
تستحل أرضاً بالقوة؟!.
كل الحلول بدون الأهل واهيـــــــة فأي حلّ بدوني حُشُوْهُ فَتِــــــــــــنُ
منا القيادات لا من ثُلّة دَعـــــــِرت هل الزناة على الأخلاق تؤتمـــــــن؟
يا قادة العرب الأشباه ما فتئــــــت عيونكم مغضيات فوقها غَصَــــــــنُ
تستمرؤون هوان الذل في زمـــــــن أصابكم رمد أو شفكم وهــــــــــن
فلتمضغوا القات، سيحو في مباهجه ولتشربوا النفط خمراً أيها الوثـــــــن
إنّا أباة ديارُ المجد منزلنـــــــــــــــا أمّا الصغار فأنتم أيها
الشَعَـــــــــــنُ
اعتماد الشاعر على التاريخ في إبراز الأفكار السابقة واضح، وذلك من خلال الحلول
التي طُرحت دون أصحاب المشكلة الحقيقين، فماذا كانت نتيجتها؟ فالمتفردين
بالحلول، وكأنهم نوّاب عن شعب يمتلك إرثاً حضارياً وتاريخياً أكثر من أولائك
الذين نصّبوا أنفسهم بديلاً عن الشعب الفلسطيني، وبالتالي مصير كل الحلول إلى
سراب، فأصحاب المشلكة موجودون، وهم الأقدر على معرفة ما ينفعهم ويضرّهم، وهم
الذين يعانون داخل وخارج الوطن، لهذا فكل الحلول التي يمكن أن تُطرح مرفوضة
بدونهم، وما لم تكفل أعادة الحق إلى نصابه.
هذه الصور التي ساقها إلينا الشاعر مطابقة للواقع، أو للإدراك البصري والسمعي،
وما هذه الثورة في الأبيات إلا انعكاساً لهذه الرؤية، وما تحامله الشديد على
الزعماء، إلا نتيجة لهذا الصراع الخارجي، وما القصيدة إلا صراعاً داخلياً
وخارجياً على السواء.
وحسبي أن الشاعر ارتكز في هذا المقام إلى عبارة" مطابقة الكلام لمقتضى الحال"
حتى تؤدي الصورة ذاتها، ولتكون على صلة وثيقة بالأفكار.
مهما يطول زمان الغدر يا وطني!! فعودة الحق بالإصرار تُرتهَـــــــــــنُ
طال الظلام فهل شمس تضيئ لنــا درب الخلاص فَتُعلي رايتي الَقَنـــــن
درب الخلاص رجالي السمر تعرفه إنْ ضاق بَرٌّ فهذا البحر يا سفـــــــن
هذي فلسطين لا أرضى بها بـدلاً حتى يواري رفاتي الصمت والجَنَـــنُ

والشاعر يمثل في رأيي روح التفاؤل حتى عندما تدلهم الأمور، فهو لا يؤمن بخلاص
يأتي من الخارج، ولا من حاملي الرايات البيضاء، ولا من النيام من البشر، وإنما
من الداخل، وهم الذين يعرفون الوطن حق المعرفة، لهذا مهما طال زمان الغدر
والهجر، والترحيل، فإن الوطن مفتوح الزراعين ينتظر في لهفة أهله الحقيقيين،
لأنه المكان الوحيد الذي سيضم رفاتي.
تلك الأبيات لها أكثر من دلالة، الأولى: بأن الأمل موجود مهما طال زمان الغدر،
والثانية: أن الخلاص سيأتي من أبناء الوطن الحقيقيين،، والثالثة: عدم قبول وطن
بديل عن الوطن الأصلي" فلسطين " هذه الدلالات وغيرها تحمل في طيّاتها الروح
الوطنية،بكل معناها.
أما لغة القصيدة فتقتربب من لغة الخطابة، فقد ساقها إلينا بألفاظ قوية ومعبرة
ومؤثرة، تتناسب وموقف خطابي، فقد حشد إليها الكثير من البراهين والذكريات
والأحداث الكفيلة بتغطية الفكرة التي نبعت من العشق للوطن، ولهذا كان الإقناع
والتسليم بها أمراً طبيعياً، ولهذا نرى المضمون قد ألبسه الكثير من الرؤى مما
جعله حلية يراها الناس ليتعاملوا معها.
وإذا كانت العاطفة أحد عناصر النص الأدبي، وهي التي تميزه عن العلمي مثلاً، فقد
انطلقت من تجربة شعرية عميقة، برزت بشكل واضح في الأبيات من خلال الصدق
الموضوعي الذي انتهجه الشاعر في الأبيات.
وفي ديوان " الدم والميلاد " نقف على قصيدة بعنوان " أرضي تثور " هذه القصيدة
قيلت بمناسبة مرور عشرين عاما على الإحتلال الإسرائيلي لبقية فلسطين:
أرضي عليك تثور......تلتهـب عشرون عاماً ما خبا غضب
عشرون عاماً كنت تحرقنـــــــي وأنا لمرجل حقدكم حطـب
عشرون عاماً سيفكم عملــــت شفراته حتى ارتوى التــرب
وتصورون نظامكم نِعَمــــــــــا للناس وهو الزيف والكذب

نظر الشاعر إلى الواقع الذي يعيشه، فكان متأملاً أن يراه بعكس الصورة الأليمة
التي هي عليه، فقد وجد الجرح قد غار، والألم يزداد، والمعاناة تضرب في أعماق
أعماق الوطن، فجاءت ألفاظه محمّلة بهذا الهم" تثور، تحرق، حقد، سيف، شفرات،
الزيف، الكذب " فأرضه تلتهم ةتحتضر، وشعبه يعاني، وقد كان لتلك الألفاظ التي
ساقها دلالاتها المعنوية، من خلال استعمالها الموفق، وإن كان العصر الذي نعيشه
لا ينتمي إلى السيف.
فالشاعر كما نرى يتفاعل مع الواقع، وينظر إلى كل القضايا التي يجب أن تكون في
صالح المواطن، وإذا بها تكون ضدّه، من أجل تحقيق أهداف وأطماع خاصة للمحتل،
ولقد أراد الشاعر أن يفتح من خلال القصيدة كوّة من العذابات التي يعيشها أبناء
فلسطين، فربما يفيق البعض من رشده، وابتعد الشاعر في هذا المقام عن الرموز التي
من شأنها قتل الحياة في قصيدة واقعية لا يمكنها أن تحتمل أكثر من اللفظ ذاته من
خلال معناه، أو معناه من خلال إيحاءاته.
الدم الطاهر الذي يُراق على مدار عشرين عاماً، اتخذه الشاعر ليستضيء من خلاله،
وبنوره أفاق الحياة، ويدين أيضاً أساليب الإحتلال ضد الطغمة التي آلت على نفسها
تعذيب الشعب الفلسطيني.ويتابع الشاعر من خلال أسلوبه المباشر عرض أسلوب ثورة
الأرض بعد أن أبرز الأسباب والدواعي لهذه الثورة:
هذا لسانك من يصدقـــــــــــه هل يغسل الدم حاكم ذَرِبُ؟
أنا لا أُدجــــــــّن إن أردت ولا أجثو إذا ما شاء مغتصــــب
فانسف بيوت الزنك يا بطــــلاً فَلَكَ العتاد وجحفل لجـــبُ
واقتل صغاري في مخيمهـــــــــم فالقتل في أعرافكـــــم أرّب
تتقيأ الغرباء أرض أبـــــــــــــي أرضي لها أمّ هنــــــــا وأب
هذي قوافلنا نقدمهـــــــــــــــا موت الرجال خلودهم يهب
لن يهدأ الغليان في عضـــــــدي والحقد في جنبيك والوصـبُ
القصيدة التي أمامنا جزء من الواقع حيث تبرز إحساسه المفرط، بالقضايا المصيرية
فيسوق إلينا الوقائع كما هو ليكون المبرر موجوداً لثورة الشعب ضد الإحتلال
الصهيوني، هذه التجربة الإنسانية التي يسوقها لا تهدف إلى إظهار مثالب المحتل،
بقدر ما يريد منها إظهار الوجه الحقيقي للإحتلال.
ويقر الشاعر من خلال الأبيات، بأن الظلم والقسوة والبطش والدماء لن يستمر، لأن
كل شيء إلى زوال، لأن عشق الشاعر إلى الحياة الكريمة، والإنسان جعله إنساني في
تطلعاته وأفكاره.
يا مسجدي!! أعياك ظلمهمـــو فالحزن حط عليك والكـــأبُ
في صمتك الجبّار أسئلـــــــــــة عيسى فما ارتعشوا وما رهبوا
لا يُرتجى خُلًقٌ ولا أمــــــــــــل من أمة أخلاقها عطـــــــــب
ولقد مسّ الشاعر مشاعر المسلم من خلال المسجد الأقصى، فجعل منه قضية أساسية
يلبس رداءها ووجها، ومن خلالها يعيش كل أبعادها وتأثيراتها، وكذلك من عيسى عليه
السلام رداء الطهر، ومن خلالهما يوحي إلينا بحبه الشديد لبلاده، ويتمسك بكل
تراب الأرض، متخذاً من هذين المكانين منطلقاً لكل الأراضي الفلسطينية
باعتبارهما يمثلان كل فلسطين.
إن الطريق إلى فلسطين بكاملها يأتي عن طريق المسجد الأقصى، والأماكن المسيحية
في مواجهة المحتل، لأن القضية التي يتعامل معها الشاعر في هذا المقام ينتقل بها
إلى الإنسان الفلسطيني.
يا قادة شحذت نواجذهـــــــــا الويل من أهلي إذا ركبــــوا
لا أشتهي دمكم وما ارتفعــــت كفي لتضرب غير من سلبــوا
عشرين حولاً تهدرون دمــــــي لم يرتوِ ظمأ ولا سغــــــــــبُ
حمّلتم الأجيال وزر دمـــــــــي فحرقتم الأحلام يا جـــــُرُبُ
ووهبتم الأطفـــــــــال إرث دمٍ أجسادهم ناءت بما وهبـــــوا
أمل السلام حكاية صدئـــــــت تغفو وتطوي حلمها الكتــت
ردّوا الحقوق إلى مرابعهـــــــــا حتّام نستشري فنحتـــــــرب
خلقُ الفلسطيني معجـــــــــــزة فليشهد التاريخ والحِقَـــــــبُ
الشاعر يعلن في قصيدته بأن فلسطين لن تعود إلا بالنضال والفداء، ولذلك كانت
الثورة، ورغم التوجع والألم الذي أظهره، فقد أبرز صورة التصميم والمواجهة ليس
عشقاً لها ولا للدماء، وإنما أولائك الذين استباحوا وسرقوا واغتصبوا، فتجلت
إرادة التصميم والصمود والإصرار على التمسك بحقوقه لا يمكنها أن تحطمه أي قوة
مهما بلغت من قوة، لأسباب تتعلق بالذات الفلسطينية، وبحقه في أرضه، فالتاريخ
شاهد، والذكريات مازالت عالقة في الأذهان ولابد من رد الحقوق إلى أصحابها، لصنع
التاريخ الجديد .
وهنا تتجلى أمامنا قوة تحمل الشعب الفلسطيني وصبره على المحن المتتابعة،
والضربات القوية التي تؤلم، ولكنه على ثقة كبيرة بأنه سيبني مجده القديم، ويعيد
سيرة الوطن الأولى.
لقد مرّ عقدين على الإحتلال ومازالت القوى الظالمة تمارس هوايتها على الشعب
الفلسطيني دون هوادة، فيحاول الشاعر في هذه القصيدة أن يصور هذا الواقع بأسلوب
جديد يعتمد فيه الصور المباشرة من خلال ترميز بسيط يستقيه من الواقع، فنراه
يحمّل كلماته طاقات جديدة موحية، ويستعملها استعماىً ربما لم يكن موجوداً، من
خلال شحنها بطاقات جديدة أضفت على القصيدة بعداً فكرياً بالإضافة لما للبعد
العاطفي من تأثير.
ونقف هنا مع ديوان " ليكن لكم فيّ سلام" وهي بعنوان " العاشق والمطر " وهذه
القصيدة رؤية جديدة في منهجه الحياتي والموضوعي الذي اختطه لنفسه حيث تجمعت في
النص معاني المأساة التي يعيشها شعبه على مدى عقود طويلة، فالشاعر ينقل بصدق
وأمانة كيف تجذّرت المأساة، وأخذت أبعاداً لا طاقة للإنسان بها في ظل دولة
تعترف لنفسها بالديمقراطية.
والشاعر في هذه القصيدة، ومن خلال رؤيته يرى بأن تحرير فلسطين لابد وأن يتم،
مهما اشتدت الخطوب، وادلهم الليل:
ودنا المطر
والضوء في قلبي انهمر
وأطل من خلف الغيوب
الرعد والبرق المؤجج والمدجج بالخطر
وتحركت في البحر أشرعة
وفي الأرض الحجر
وتناثرت في الجو أسراب الطيور
على حذر
الشاعر عندما اقترب من الحياة اتخذ من الطبيعة مدخلا له ورمّز بلغة حانية بما
أوحت به الألفاظ " المطر، الضوء، الرعد، البرق"وقابلها" بأشرعة ، الحجر، الطيور
".
هذه الأسطر وما تليها تصور شدّة المأساة التي يعيشها الشعب الفلسطيني الذي سلبت
منه كرامته، يوم سلبت أرضه، فقد غدا يعيش الهم في كل لحظة، ويعيش الخطر في دروب
الأرض التي عليها نشأ:
ودنا المطر
ماتت بذور الورد في أرضي
وجفّ الضرع واحترق الزهر
إن الرصاص يئز..يبحث عن رؤوس
عن صدور.. عن وطر
هذه المقطوعة الصغيرة تعبر أقسى أنواع الإحتلال الذي حطّم كل الآمال والتطلعات
، وقتل الحياة فلا عجب بعد ذلك أن نجده يستخدم الرصاص ليزيله عن الأرض، إن كل
كلمة ساقها الشاعر تختزن الكثير من الطاقات المؤلمة والصور المأساوية التي لا
يمكن أن يحتملها الإنسان في أي بقعة من العالم.
إن التضحيات الواجبة للإيمان المطلق بعدالة القضية هي التي ساقت أبناء الشعب
الفلسطيني للمواجهة والتحدي والوقوف في وجه المحتل، رغم الرصاص الذي ينهمر:
أضحى الرصاص لسان هذا العصر
يرسم في لحوم الناس أنواع الصور
هذه الرصاصة صممت للعين
تخطف النظر
ورصاصة أخرى
تقبّل مثل أفعى
قلب طفل في ربيع العمر
يلهو بالأُكر
الشاعر كعادته لا يدخر وسعاً في معظم قصائده يوقظ المشاعر من خلال التذكير
بأعمال العنف التي تمارس على الشعب الفلسطيني، وما ساقه في الأسطر السابقة إلا
جزءاً من هذه الممارسات، وحيث أن الأطفال يمثلون البراءة في العالم، إلا أنهم
في فلسطين يظهرون بصورة أكثر قوة، وهذا نابع من الظروف التي فرضها المحتل
عليهم.
ولننظر إلى ممارسات العدو عندما يستخدم الرصاص، باعتباره اللغة الوحيدة التي
يفهمها، لأنه في الواقع لا يفهم لغة السلام والوئام والحب، فهذه رصاصة فقأ بها
عين طفل، وأخرى مزّق بها جسد شيخ كبير، وجنين داخل رحم أمه.
ويتابع الشاعر هذه اللوحة من خلال زاوية أخرى:
ماذا أغني؟؟
والجنود على صدور الناس يمتصون
أرواح البشر
ماذا أغني؟؟
والرصاص الأرعن النافث أحقاد الشرر
يمتص نُسْغَ حياة أغصان الشجر
محروقة أرضي
على أحداقها يطفو الضياع
وحزن أحزان الكدر
الشاعر في الأسطر السابقة شديد التاثير رغم ما يعرفه عن المحتل، فهذا الغضب
العرم تحوّل في ذات الفلسطيني إلى بغض لا ينتهي، ولا يمكن للإنسان أن يشعر بلذة
الحياة طالما الرصاص يحصد أجساد البشر.
لقد برزت هذه الثورة العارمة من خلال الألفاظ الموحية التي ساقها إلينا، وما
تحمله من انعكاسات للواقع، أبرزت عشق المحتل الصهيوني للرصاص والموت، وكأنه على
حق فيما يقوم به" الجنود، الرصاص، يمتص، الأرعن، النافث، الأحقاد، الشرر...."
وإذا أردنا أن نجد مبرراً لهذا، فإن الواقع هو خير مبرر لما يحدث، فالشاعر لا
يتجنى، ولا يخاطب الوجدان، ولا يلهب الحماس من أجل إظهار بطولات معينة، وإنما
الواقع أكبر دليل على ما يجعل الفلسطيني أكثر حنقاً على المحتل.
ماذا يقول الشعر والكلمات خافتة
كهمس الضوء ينزفه القمر؟؟
ماذا يقول الشعر
والكلمات أبلغها الحجر؟؟
ماذا يقول العاشق الدّنِف المقيّد بالسلاسل
والبنادق والسلاح المبتكر
ماذا يقول لأرضه وترابه
ولسهله وهضابه
للماء غاص وجفّ مجرى النهر
ماذا يقول وسيف سيّده الرقيب
يلوح يهبط كالقدر
يجتاح ... يغتصب الفكر؟؟
إذا كانت الكلمات لا تستطيع أن تصف الموقف، فمعنى هذا أن الموقف وصل إلى أقسى
مرحلة من مراحل القهر والإذلال الفكري والجسدي، فهل الكلمات قادرة على تغيير
الواقع، وهل الأفكار قادرة على لجم الرصاصات التي تنبعث من فوهة البنادق،
فالمرارة والتوجع تصاحب كل كلمة زرفها رغم معرفته بعدم أهليتها لهذا الزمن، إنه
يريد منا أن نواجه السلاح بالسلاح حتى نحقق الهدف من هذا النضال.
منذ اقتلعنا والجياد على سفر
تمشي على حدِّ السيوف
وبين حبّات المطر
وعيونها
ما أغمضت أجفانها
فالحلم طير أفزعته الحادثات
ونكهة البارود والليل المحمّل باكتئابات الخَبَره
أهوى اللهيب إذا استعر
وأحب عاشق زهرة مسبية
من أجل عينيها انتحر
يبقى نزيف النرجس المذبوح
يهدينا الثمر
والجرح في صدر البلابل مأتم الضوء
الملّون حين بعثره الجنود
على ترابي فانكسر
الشاعر هنا لا ينقل إلينا مشاعر عادية، بل يعيش الم الغربة كما يعيشها كل
فلسطيني خارج وطنه منتظراً عودة ظافرة إلى أحضان الوطن.
إن هذا الوطن هو الحياة والهم، وهو البداية والنهاية، وعذابات الأجيال السابقة
واللاحقة، وآمال المستقبل من وحي الإرث التاريخي العظيم.
ونصل بالقصيدة إلى نهايتها بصورة من التفاؤل الذي عهدناه في الشاعر في أغلب
قصائده:
يا عطر أرضي!!
يا ترابي
يا حجر
ما اجتاح إعصار كروم بلادنا
إلا تكسّر واندحر
سيجيء بالأخبار يوم منتظر
رأينا في القصيدة صوتان، صوت الواقع من خلال صورة الفلسطيني، ودفاعه وأمله في
تحقيق النصر، وصورة مضادة تمثل الوجه الغريب عن الديار، وهو الوجه الصهيوني
الذي يعيش على رائحة الدماء، هذا الصراع بين القوتين لابد وأن يأخذ مداه إلى أن
يأخذ الحق مأخذه من الظالم.
والسؤال هنا هل استطاع الشاعر أن يحدث الأثر الإنفعالي من خلال القصيدة؟ إن
المدقق في بنية القصيدة من ناحية الشكل والمضمون، لابد وأن يشعر بأن الشاعر منح
القصيدة من ذاته ومشاعره ورؤاه ما يجعل القصيدة تظهر بشكل مبدع، فأحدثت الأثر
الإنفعالي بدءاً بالعنوان مروراً بالإنسياب الفكري والتلاحم بين أجزاء الصور
التي تآلفت بشكل واضح مما أبعد الشاعر عن تفتيت العناصر المكونة للصورة، حتى
رأينا تشابك الألفاظ ضمن مدلولات جديدة يمكنها التأثير في النفس.
لقد أبرز الشاعر في هذه القصيدة جانباً كبيراً من جوانب الحياة في المجتمع
الفسطيني، وأبرز صور المعاناة بصدق ضمن إطار فني وموضوعي مبدع.
وننتقل إلى قصيدة أخرى من ديوان " آه يا أسوار عكا " وهي بعنوان " زرقاء
اليمامه" والمدقق في القصيدة يشعر بأن الشاعر يكتب تحت تأثير الهياج النفسي
والعاطفي ، وهستيريا السخط والتمرد والتسلخ والإنسحاق، هذه الكلمات تقدّمت
ديوان الشاعر والقصيدة التي يقول فيها:
عاصف حزني كأشواق الحمامه
كل ما حولي حريق
وخواء... ورياء
وانكفاء ....ودمامه
كل ما حولي غبار
وانكسار وانهيار
إنه الحمل الذي أفضى
إلى الأوهام....والأحلام
في رأس النعامه
هذه الإنعكاسات النفسية التي ساقها الشاعر، يحدد فيها أبعاد المأساة والرؤية
الضبابية التي يعيشها وزفرات الألم تتلون بتغير الموقف والزمان.
إن هذا الموقف الذي يتفجر من الشاعر سببه الحب للأرض، وهو الذي يصنع الغد
المشرق من خلال الإصرار وليس الإستسلام.
إن كل ما حول الشاعر سراب، وانكسار وذل ومهانة، ولا يمكن أن يفضي إلى نهاية
طبيعية، فقد رسم صورة صادقة للإستبداد بأسلوب سهل بسيط فيه كثير من المرارة
ويعكس واقع الحياة الذي يعيشه الشعب الفلسطيني.
اكتبوا عن فارس
أنكر بعد الكرّ والفرِّ حسامه
اكتبوا عن شاعر
أنكر في سوق الشعارات كلامه
أيها القوس!! الذي
يعشق قبل الشدّ والمدِّ سهامه
هاك سهمي!!
فأنا القوس الذي هشّم عشقُ
الأرض والأهل عظامه
إنني الناعي
وحولي كلّهم أعمى ويدعو!
إنما العمياء زرقاء اليمامه
الشاعر يبحث عن إنسانيته المنسحقة وحياته التي سُرقت منه، ووطنه الذي ضاع بين
ركام الحياة، علّه يجد في ذلك مخرجاً من هذا الواقع المر.
إن الإنسان بدون وطن لا يمكنه أن يشعر بمتع الحياة، وتقلبات الزمان، ولذا نجد
هذا الفلسطيني قد زرع وطنه في قلبه، لعيش حالة الإنتماء التام لكل الوطن.
آه يا أحزان أهلي
يا بكاء الصخر.. يا مرّ المرارة
كل ما حولي عيوب...وثقوب وقذاره
كلّهم يحمل في العنق شعاره
وينادي:
اتبعوني!!!
اتبعوني!!!
أولد اليوم نبياً
من دياجير الدعاره
أحرس الفكر الفلسطيني
في جوف محاره
أحسم الموقف
والموقف في قاموسي الكاذب
ربح وخساره
آه يا أحزان أهلي!!
كل ما حولي انخذال وتجاره
كل ما حولي
وجوه..عاهرات مستعاره
" آه يا أحزان أهلي " نقلنا الشاعر من خلال إحساسه بآلام أهله، ومعاناتهم، هذا
التوجع مقترن بكل معاني الأسى الذي انسحب أيضاً على الجماد، فنحن نعيش تحت سلطة
لا تعرف معنى للحياة، ولا قيمة للإنسان، فكانت تلك الصرخات المدوية تحمل حالة
من الأسى الذي يعيشه الشاعر والأهل.
كدت أنسى صوت أرضي
وصهيل الخيل في سهل المضاضه
كدت أنسى فارساً
يأتي من الالام
كي يفدي حياضه
كدت أنسى اسمي..ورسمي
وجذوري...وقبوري
لا غضاضة!!
فأنا الآتي من المجهول
شوقاً ولهيباً وانتفاضه
أيها الجمهور!!
هذا موقفي الباكي
على أطلال أخلاق العهاره
لا تحاسبني!!
فأنا شاعر أعطي
ولم يأخذ سوى
جمر الطهاره
في الأسطر السابقة نشعر بتبرم من الشاعر ناتج عن الواقع، فهذا الزمن الذي يعيشه
يضيع فيه الحق ، وتضيع فيه كل القيم والمثل الحقيقية، ويتحول فيه الإنسان إلى
مجرد خيالات لا قيمة لها، فكأن الإنسان أصبح جسداً بدون روح، أليس هذا الزمن هو
الذي دفع الشاعر لينسى كل شيء.
ومن ديوانه الذي صدر عام 1996 بعنوان" تعاويذ من خزف " نقف على آخر قصيدة من
الديوان، لنتعرف على الوجه الآخر للشاعر، وتتضمن رثاءه لصديقه " على شرافنه "
صديق الدراسة والشباب، خطفه الموت ففجع الشاعر لموته، وعنون القصيدة " فُجعنا "
فجعنا حين أبلغنا المصابـــا فنعيك جاء دمعاً وانتحابــــا
وما صدقت أن الموت يغزو فحين أصابك ازددت اكتئابا
رحلـت أبا عصام عن حمانا وما ودعت أهلك والضحايا
عليّا ســوف تبقى يا علـــي صنيعك قارع بابا فبابــــــــا
أسائل: ما لهــذا الموت يأتي ليأخذ حبر من صلى وثابــــا
نظيف القلب واليد كان فينا عفيفا في دنى أصخت خرابا
أسائل كل ما حولي ولكــن أمام الموت لا أجد الجوابــــا
تقاسمنا رغيف الخبز دومــا وقابلنا النوائب والصعابــــــا
وكان الهم يجمعنا، فكنا على أبوابه نُسقى العذابــــــا
فنحن لدوحة العرب انتسبنا ألا أنعم بدوحتنا انتسابــــــــا
سيحمل راية الجهاد رهط من الأبناء..أخلاقا عذابـــــــا
إذا ما مات في الدنيا شريف تظل فعاله شهد مُذابـــــــــــا
سيبقى الموت لغزا سرمديا فلا تدري ذهابك والإيابــــــا
إلى قمم الخلود أبا عصام فأنت أحقّ من نزل الرحابـــــا

وإذا كان يحمل الشاعر يحمل ثورة عارمة في القصائد السابقة، فإننا نراه في هذا
المقام شديد الرهافة، والمشاعر الجياشة التي تحمل كل مشاعر الصدق والود لصديقه
ورقة الإحساس التي جعلت منه إنساناً رومانسيا في هذا الموقف.
فنحن إذن مع شاعر رومانسي حالم، ووطني جارف، وقومي متوقد، وإنساني عميق
التأثير، يحمل على عاتقه آلام الوطن، وهموم الحياة، وعشق للموت من أجل الحياة
الكريمة، وإصرار على التحدي والمواجهة.
القصيدة السابقة أظهرت صديقه وقد خطفه الموت فكان لها أثرها في النفس عميق،
مظهراً محاسن الفقيد، ومكانته وماذا يمثل بالنسبة له.

تلك هي رؤية متواضعة في مسيرة شاعر متميز في فكره، ومتفرد في إبداعه، علنا
استطعنا أن نوفيه حقّه، وما الدراسة التي بين أيدينا سوى نقطة من بحر عطائه
المتجدد فكراً ومضموناً ومنهجاً، ومازال الشاعر يبدع من معين الأرض والوطن،
والتراث من أجل تحقيق الحرية المنشودة، والعدل المفقود في زمن الإعتقال الفكري،
والأمل الضائع
ومن خلال هذه الوقفة أمكننا أن نقف على بعض الحقائق:
1- صاحب قلم متميز، وشاعرية خصبة، ولغة حادة، ووطنية متأصلة، وإنسانية عارمة.
2- الثورة في شعر الشاعر مبنية على منهجية خاصة بالشاعر، فهو لا يكرر نفسه من
خلال إصداراته، ولا يقلّد الآخرين، وإنما مثقف واعٍ، ودارس لكل المدارس
والإتجاهات المختلفة.
3- شاعر صاحب قلم خاص، ومنهجية متميزة، مع تنوع في الموضوعات، وفي الأفكار.
4- لم يقف بشعره على لون واحد، بل نوّع في الشكل، فسار على بنية القصيدة
العربية التقليدية، وقصيدة الشعر الحر، وغيرها من الأشكال المختلفة التي
تطلبتها التجربة.
5- النضال والثورة نتيجة طبيعية للواقع، فهو لا بيتعد عن الواقع في رسم معالمه،
وإبراز مؤثراته من خلال تفتيت العناصر لينقل إلى المتلقي كل ما يريد دون عناء،
وإن كان المر أحياناً يتطلب منا الوقوف طويلاً أمام إبداعاته.
6- يرصد من خلال شعره كل الصور، كما يرصد كل المأساي التي حدثت وتحدث للشعب
الفلسطيني مبتعداً عن الغلو.
7-إن ولادة إنسان فلسطيني جديد من واقع الألم ظاهرة تبرز التحدي بكل صوره،
والمواجهة بكل أنواعها.
8- يبقى الشاعر علامة مضيئة في دنيا الشعر، وأحد رموز التحدي في مواجهة العدو
الإسرائيلي.
هذا ومازال الشاعر يصدح بشعره الإنسانسي الذي يمثل خروجه إلى دنيا العالمية
المحطة الفارقة في حياته.


الديوان الرابع


للشاعر
{ د.فاروق مواسي }




التزام وانصهار وانبعاث



وديوانه
{ يا وطني }



عام 1941 عرفت قرية " باقة الغربية " شمالي فلسطين مولد طفل أصبح بعد من
شعرائها المرموقين، ظهرت موهبته الشعرية في مراحل مبكرة من حياته، مستلهماً من
الأرض نبعاً صافياً لشعره، ومن النيران التي حرقت زرعة ثورة في القصيدة، عَشِقَ
الأرض كما تعشق الأرضُ ماء السماء، وبنى منهجه الشعري على اللفظ والمعنى،
معتمداً على إرهاصات الماضي، ومعطيات الحاضر وآمال المستقبل.
تأثر بمدرسة الشعر الحديث التي ظهرت في مصر بزعامة العقاد وشكري والمازني، وحصل
على درجة الدكتوراة من خلال تأثرها بالمذهب الرومنتيكي الإنجليزي.
المحطات التي يمكن الوقوف عليها في شعر الشاعر لا تقتصر على ديوان واحد، أو
قصيدة، فإدراكه المتميز لأسرار اللغة الشاعرية، دون الوقوف عند قالب واحد،
واعتماده على بنية القصيدة لغوياً، وتجديده في بنية النص متأثرا بالديوان من
المميزات والمحطات التي توقفنا كثيراً أمام عطائه.
الشاعر كما سنرى لا يتعصب لقديم، ولا لجديد، لإيمانه المطلق بأن الشعر الجيد هو
الذي يفرض وجوده وذاته، فهو يرى بأن الكلمة هي التي تحدد قيمة العمل الفني من
خلال اتصالها بما بعدها، وعلاقتها بغيرها، مع صدق العاطفة، فقد بنى شعره على
النظام التقليدي الموزون والمقفى، ثم الشعر الحر، والشعر المنثور، ويرى بأن
قيمة العمل لا يحددها فقط الشكل العام، وإنما المضمون، لهذا كان ينوّع في
قصائده تبعاً لما تفرضه الفكرة، ويفرضه الموضوع والمعنى.
وإذا كان الشاعر يعتمد أحياناً على الأسلوب المباشر، إلا أنه كان يرى في
الترميز البسيط طريقا للوصول إلى فكرته، لإيمانه ببنية النص اللغوية التي لا
تعتمد على الشكل قدر اعتمادها على القيمة الحقيقية للكلمة سواء من خلال الرموز
والإيحاء، والصور الخيالية والمحسنات البديعية.
الشاعر بالإضافة إلى اهتمامه بالموضوع، لم يلغ القيمة الفعلية للموسيقى
باعتبارها مرتكزاً يبرز العواطف والمشاعر والأحاسيس، ومن هنا كان التنويع في
الموسيقى سواء في بنية القصيدة، أو الموسيقى الداخلية..فاروق مواسي لا ينتمي
إلى عالم الشعر بقدر ما ينتمي إلى كونه إنساناً عاشقاً، وعشقه نابع من إيمانه
بأرضه ووطنه، يعيش الواقع، وينصهر معه تماماً حتى يكوّن منه مادة جديدة تنتمي
إلى الأرض بكل مدنها وقراها وخراجها، يتفاعل مع كل القضايا التي تمس وطنه، لم
يقف لحظة واحدة موقف المتفرج، لذا وجدنا شعره انعكاس للواقع بالصورة التي يحوّل
بها الواقع إلى لغة مقروءة، فجاءت قصائده طاقات إبداعية خلاّقة، حافلة بكل
القضايا المعاصرة مستلهماً من التاريخ بعداًنفسياً، وصوراً منتقاة وظفها الشاعر
توظيفاً سليماً في مكانها.
ويمتاز شعره بوضوح الأسلوب، وصدق العاطفة، وبعده عن الغرابة، والبساطة في نقل
الصور، وإضاءات بنوية في مكونات النص الشعري، وقدرة على توظيف المعاني بما
يتناسب والأفكار، وتنامي الأفكار حسب المعنى، واقفاً على معنى اللفظ أحياناً،
وأحياناً على معنى المعنى.
قرأت دواوين الشاعر فوجدتها حافلة بالمدن الفلسطينية، لأنه يريد منا أن تبقى
المدن ماثلة في أذهاننا متتبعاً ما تعانيه من اغتصاب واعتقال وانكسار على أيدي
الجماعات الصهيونية.
قصائد الشاعر لون من الإبداع البكر، ورؤية متفردة وذات خصوصية تؤثر معنيها قبل
ألفاظها في النفس، أو المعنى قبل الصوت، فهو يعيد صياغة الواقع من خلال
أنصهاره، لا يراقب الأحداث، ولا يلتقط الأفكار، بل يعيش الواقع والحدث ليجعل من
النص كياناً منتمياً إلى الوطن والأرض والمدن،وفلسطين، حتى لنشعر بأن النص هو
الواقع، أو فلسطين.
القصيدة عند الشاعر ليست لحظة ميلاد فقط، بل لحظة تواصل مع الحياة، وتفاعل معها
وبمؤثراتها، لا يحصر نفسه في بوتقة الزمان والمكان، من أجل هذا كانت القصيدة
عند الشاعر لا تنتمي إلى عصره فقط، لأنه لا يكتب إلى عصر واحد ولا إلى جيل
واحد، ولا إلى دهر بعينه، وإنما يكتب للجميع، ومن خلال الجميع، لهذا نرى رحلة
الإبداع عند الشاعر لا تقتصر على الموضوع دون الفن، ولا على الفن دون الموضوع،
وإنما على اللفظ والمعنى والبنية.
هذا وقد نظم خلال مسيرته الشعرية عشرة دواوين أولها صدر عام 1971 باسم " في
انتظار القطار" والثاني" غداة العناق" عام 1974، والثالث" يا وطني" عام 1977،
وهو الذي سنقف عليه من خلال الدراسة التحليلية، والرابع" اعتناق الحياة والممات
" عام 1979، والخامس" إلى الأفاق" عام 1979، والسادس " من شذور الذهب " عام
1987، والسابع " الخروج من النهر " عام 1989، والثامن " الأحزان التي لم تفهم "
عام 1989، والتاسع " قبلة بعد الفراق " عام 1990، والعاشر " ما قبل البعد " عام
1993.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


ريانيه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-14-2005, 10:42 PM   رقم المشاركة : 8
معلومات العضو
ريانيه
 عضو متقدم 
 
الصورة الرمزية ريانيه

 

إحصائية العضو












افتراضي


 

وإذا كانت الدواوين في معظمها تمثل فكراً صادقا، ونبعاً صافياً، نابع من عمق
الوطن، فإن دراسة واحدة لا تكفي حول ديوان واحد، لهذا فدواوين الشاعر تحتاج إلى
دراسات عميقة تتوازى مع إبداعاته، أو علىالأقل تتوازى مع أنتاجه الفني
المتميز، هذا ونرى بأن الشاعر مع شعراء فلسطين يمثلون فعلاً مدرسة شعرية جديدة
يحق لنا أن نسميها المدرسة الوطنية الإنسانية في الشعر الفلسطيني المعاصر.
إن الرحلة في أعماق شاعر كالدكتور فاروق مواسي، تحتاج إلى صبر وأناة، ووعي تام
بكل معطيات النص، حتى يحقق التحليل الغرض منه، فنحن أمام شاعر يهتم بالكلمة
اهتماماً بيّناً، ويمنحها من ذاته ما يجعلها قادرة على محاكاة نفسها والواقع،
ولهذا فإن العمق الذي تكتنزه الكلمة كبير حتى تؤدي الغرض المطلوب منها، وهذا
ناتج إلى الحصيلة اللغوية المعجمية التي يتمتع بها الشاعر.

{ يا وطني }
ديوان الشاعر الثالث في مسيرة حياته الشعرية، صدر قبل قبل عقدين من اليوم،
ويمثل هذا الديوان من خلال المعاني التي ساقها إلينا نقلة نوعية في بنية
القصيدة من حيث الشكل والمضمون، وهذا يعني بأن الشاعر لا يجمد عند شكل واحد، بل
يتأثر، ويجدد ويطور، ويبدع، ولذا وجدنا التنويع في القصائد حسب طبيعة الحدث.
وأول قصيدة تطالعنا في هذا الديوان بعنوان" يوم الأرض " متخذا من الشعر
التقليدي منهاجاً في بنية القصيدة:
يا شعبنا العملاق أنت ملهمـــي أنت الكريم وما سواك معلمي
قدّمت كل ضحية قدسيـــــــــة لتضم نجماً في مجرة أنجـــــــــم
في كل شبر من ثراك ساعــــــد سكب الدماء زكية لم تُرْهِـــمِ
أحياءٌ هم ومخلّدون ونورهــــــم هدي ٌ لنا في كل ليل مظلـــــم
فلئن صرخنا يوم أرض إننـــــــا ذقنا المرارة والأذى من مجـــرم
ولئن تجمعنا على درب الوفـــــا فلأننا متنا ولم نستسلــــم
أحكامهم جارت وظلّت وصــم أيكون خير في لعاب الأرقــم
خلقوا القوانين التي في نصهـــــا خنقوا الحقوق وصادروانا في الـــدم
في قتل نفس الحرّ، في إيذائــــــه في الكيد والتنكيل من متغشـم
كانوا لنا طعماً مريراً علقمــــــا هل تصبرون على مرارة علقـم؟
يا من تخاذلتم وكنتم عونهـــــم وستندمون ولات ساعة منـدم
عودوا إلى شعب يكلل نصــــره مجداً ويبقى فعله كالمعلم
إنا ..سنرضع .كل. طفل. بعدنا لبن الكرامة وهو عذب المطعم
رغم بساطة التعبير، وجريان الألفاظ على الألسن، إلا أن الشاعر اعتمد في نقل هذه
التجربة الشعرية على المعنىفأحس ما يتجرعه الشعب الفلسطيني على أيدى القوات
الغاشمة، فكان هذا المعنى، فنحن نتعامل هنا مع شاعر لا يقول اللفظ من أجل أن
يؤدي اللفظ ما يفهمه القارئ، ولا يبني النص في فراغ، بل يهدف من وراء ذلك
الكثير، فبالإضافة إلى الموضوعية التي جاء بها نجده يستنبط من الكلمة معاني تصل
إلى أبعد نقطة في تفكير الإنسان في محاولة لبعثه من جديد، ورغم أن القصيدة بها
بعض الهنات لضرورة شعرية، إلا أنها استطاعت أن تقفز بالقارئ إلى حيث المكان
الحقيقي للصراع، فالشاعر ابن بيئته يَبرز الإلهام لديه من خلال شعبه وتضحياتهم
ونضالهم ومواجهاتهم، فبرزت من خلال ذلك صورة الشعب في يوم الأرض باعتباره
الملهم والمفكر والناظم، ومن هنا اتكأ الشاعر على الشعب في قصيدته، ولِمَ لا،
والشعب هو البطل الحقيقي في يوم الأرض.
إن انتفاضة الشعب يوم الأرض لم تأت من فراغ، بل نتيجة تركمات كثيرة، وجروح بدأت
تغور في الجسد، تفرز ألواناً عير طبيعية، فالأرض هُوّدت، والشعب سجن، والموارد
ندرت، والدروع جفّت، ولم يبق لهذا الشعب سوى الكرامة التي أخذت من الإنسان
مأخذها في هذه الفترة، فما كان من الفلسطيني سوى الإنفجار، ليعلن بأن عهدا
جديدا قد بدا.
إن إبراز المعاناة من خلال القوانين الوضعية التي تم وضعها من قبل السلطات
الإسرائيلية حسب المصالح، وما تقتديه الظروف الأمنية والديمغرافية والحياتية
كفيلاً بأن يخرج الشعب من عرينه ليعلن التمرد والتحدي من خلال الإنتفاضة .
ولقد كان لتأثير هذه التجربة أثر في البنية اللغوية للقصيدة، فقد عمد الشاعر
إلى البحر الطويل لكي يعبر عما يجول في خاطره، وليتمكن النص من أن يؤدي الغرض
المطلوب معتمداً على قافية الميم، لإيقاف الثورة الداخلية التي تعتور مشاعره،
ومن هنا رأيناه يدخل مباشرة في الموضوع دون تمهيد، أو إطالة، فكانت الجمل
الشعرية التي تتناسب وكل موقف، فعندما تناول الشعب قال" قدّمت كل ضحية، سكبنا
كل دماء زكية، ذقنا المرار " وعندما تحدث عن اليهود قال:" أحكامهم جائرة، قتل
نفس الحر، الكيد، التنكيل" ولقد أراد تبريراً لما يقوم به الشعب من خلال
استحضار صور المعاناة، وكأن صاحب الأرض أصبح يستجدي أرضه.
إن الشاعر ومن خلال إدراكه الفطري المتميز لأسرار اللغة التي يتعامل معها
استخدم الألفاظ الأكثر عمقاً وملاءمة لرؤيته الشعورية والشعرية، فهو هنا يتفاعل
مع الحدث ويأسر به كثيراً، وبالتالي جاءت الرؤية صادقة ومتوازنة مع المضمون،
والعناصر المكونة للنص.
وننتقل إلى القصيدة الثانية لتبرز من خلال التفعيلة التي جعلها أساس في بنية
القصيدة بعض أساليب المحتل اللاإنسانية من خلال ما حدث لقرية الشاعر، معتمداً
على الأفعال المضارعة، وكأنه يريد أن يقول من خلالها، مازالت المدينة محتلة،
ومازال اليهود يمارسون نفس الأسلوب، ولننظر إلى عنوانها المعبر، والذي يحمل
إيحاء بالغطرسة والقوة والإبتلاع "أسماك القرش":
ومرّة رأيت قرشاً ميتاً
يباع لحمه لمن يَمْتَار
فسْرت ثمّ قلت:
" هذه نهاية الدخيل للدمار "
وبعدها ببرهة كان النداء
بأن قرشاً فاغراً فمه
ويحمل العداء
يطوف في باقه في الشوارع
علاقة الألفاظ التي ساقها الشاعر، تبرز أهمية اللفظ في بناء النص، وفي المعنى
الذي يسوقه، وقد برزت المعاني التي أورها في المقطع السابق من خلال تلاحمها
واتصالها ببعضا، وبالتالي لا يمكننا فصل الجمل عن بعضها، والكلمةعن أختها،
ولهذا كان استخدامه للقرش بما يوحي من معاني كثيرة تفهمنا بأن القرش" اليهود "
لا يرعون لكل القيم والمبادئ الإنسانية، كالقرش الذي يبلع في جوفه كل ما يواجهه
من أسماك.
ونقف قليلاً أمام المعنى للوصول إلى اللفظ وما أداه من غرض موضوعي، وفني في نفس
الوقت، وما توظيفه الأمثل لهذه اللفظة، إلا لنقف على حقيقة العدو من ناحية،
وقدرة الشاعر على توظيف الكلمة بما توحي في المكان المناسب.
فماذا فعل القرش قي قرية " باقة الغربية":
ويقذف القنابل التي تهيّج المدافع
تهاجم الأطفال في المدارس
شراسة الأوغاد، تقتحم الجوامع
عصيّهم سلاحهم ونقمة الغضب
تلاحق الكبار والصغار
( فتحت عيني مرّتين
لإني ظننت أنْ قد مسّني دوّار)
وهم يجرّون خمسة وراء مركبه
يمثلون لعبة القطار
وتصفع العجوز صفقتين
وتكسّر الأبواب، يبكي طفلنا الحبيب
وتقذف الحجار
أيقنت أن لابد من قرش أغارْ
رحلة المعاناة بدأت عندما فتح القرش فمه، ليبتلع الأطفال الأبرياء، مستخدماً
كافة الأساليب الاإنسانية من خلال قنابل الغاز المسيلة للدموع، ومهاجمة
المدارس، وتدنيس الجوامع، وسحق الأجساد خلف عرباتهم، هذا الصراع اليومي الذي
برز من خلال الأسطر السابقة صاحبه واقع حقيقي موجود في فكر الشاعر لما هو موجود
على أرض الواقع ومن هنا استطاع الشاعر أن يوظف الألفاظ بعناية، ولقد كان
لاستخدام الشاعر لفظة " القرش" في مكانها بعيداً عن التهويل، وإذا كان هذا
اللفظ قد خرج عن كونه تشبيه، إلى كونه رمزاً، يوحي بالكثير من الدلالات التي
تصاحبه، فقد كان لتوظيفه من خلال ما جاش بصدره من معنى، يدل على عمق ما استشعر
به الشاعر، وتأثير الحدث في ذاته، وبالتالي انعكاسات الحدث على جو النص، وقد
برز هذا واضحاً في الألفاظ التي تناولها الشاعر.
الصراع العربي الإسرائيلي لا يمكن أن ينتهي إلا بانتهاء المسبب، حتى لو تم
توقيع الكثير من الإتفاقيات معه، نظراً لنقضه المعاهدات منذ أمد بعيد، لهذا لا
يمكن أن يؤمَن جانبه، ولننظر إليه من خلال هذه الأسطر أيضاً، لنعرف هل يمكن أن
يكون بيننا سلام عادل:
ها هم يكسّرون، يصرخون يهجمون
ويشتمون يركضون
حتى يضيف القرش نصراً في سجلات انتصار
يمزقون راية من فوق دار
يعتقلون خمسة وينظرون
بنظرة احتقار
ويزحف الحادقون
على عيوننا الغِضاب
ويضربون يلحقون الضّرب في الأشجار
وما دروا
بأنها تموت في انتصاب.
من خلال أسلوب التحدي والصراع بين الشعب الفلسطيني وقوات الإحتلال، وإبرازه
لأساليبهم القمعية التي لا تنتمي إلى الإنسانية، ابتعد عن البكائية التي يكون
لها مردود سلبي على مجريات الأحداث، والنص بعامة وفي نفوس الأجيال القادمة،
لهذا جاء بالموت الشريف، والموت الذي يبرز الصورة التي بدأ بها الشاعر قصيدته،
ولقد اكتفى الشاعر بنقل الصور كما هي، ولم يستعن بالصور البلاغية، رغم قيمتها
المعنوية في اللفظ، ونتابع مع الشاعر هذه القصيدة:
علمتمونا يومها درسين في الحساب
1- في أننا معاً وعندكم على صعيد
2- وصاحب الأموال من يوهم نفسه بأنه السعيد
تكشّفت له حقيقة الثراء
فالعار والشَّنار
سيُخذل التتار
فسجّلوا وجلجلوا
فليُخذل التتارْ !
وكانت النهاية التي يجب أن تكون، وهكذا يكون نتيجة الصراع بين الحق والباطل،
وبين قوى الشر المتمثلة في اليهود، وبين قوى الخير المتمثلة في أصحاب الأرض
الشرعيين.
لقد حرص الشاعر منذ بداية القصيدة على لغته حيّة ناهضة نابضة بالحركة من
بدايتها إلى نهايتها، فطبيعة التجربة التي ساقها الشاعر تتطلب هذا الموقف،
فاستعان بالأفعال التي أكسبت المعنى قوة، ونوّع في العاطفة تبعاً للموقف
الشعوري، فجاءت الدفقات الشعرية موازية لحالته النفسية.
ونقف مع قصيدة أخرى بعنوان " الستة في حوار " حيث نرى رعشة مختلفة عن ذي قبل،
ولغة لا أقول حادة بمعناها البعيد، ولكنها متميزة من خلال أسلوبها ومعانيها،
حيث تناول قضية متجددة في فلسطين تتمثل في التضحية من أجل الوطن، وكغيره من
الشعراء ينعت الوطن " بالأم " وهل هناك أدق تشبياً أو تمثيلاً من هذا؟ ولا أحد
يستطيع أن يلوم الستة أشخاص في تضحياتهم من أجل أمّهم " فلسطين".
هذا وتناول الشاعر القصيدة بتقديم موفق ودقيق مستنداً إلى البعد الوطني في
إبراز المضمون، فتحرّك داخل النص من خلال الأشخاص الستة، كما هو الحال خارج
النص، أو على أرض الواقع حتى لا يبعدنا عن معايشة الواقع بأبعاده ومعطياته،
ولقد كان لاستشهاده ببعض آيات من القرآن أثر إيجابي في الصورة، فالشاعر لا يجنح
للخيال بعبارات فضفاضة، ولا إلى طلب المستحيل من خلال صور غير واقعية، ومن هنا
برزت العاطفة لتتوازى مع هذه المعطيات بكل أبعادها، فلعبت دوراً هاماً في تصحيح
مسار الأفكار، وإبرزت التكنيك الفني بصورة متميزة كما أراد لها الشاعر أن تكون،
إذن الشاعر هنا يوظّف المعنى، لأنه حاضر عنده، ويوظف الألفاظ تبعاً لهذا
المعنى، فتتجانس لديه الألفاظ مع المعاني، وتبرز الصور سواء كانت مستندة إلى
بلاغيات معينة، أم جاءت مباشرة كما رأينا في القصيدة السابقة.
هذا ونرى أيضاً بأن الشاعر انتقل من شعر التفعيلة إلى الشعر الكلاسيكي من خلال
بيتين في معرض النص، ومن هنا رأينا بأن هذا التكنيك الجديد تطلبته الفكرة، وإن
كان لهذا اللون من تأثر بغيره من الشعراء الأخرين:
سألوني" ماذا تكتب في يوم الفصل؟"
يوم ارتفع الصوت بوجه الموت
إذ عاشت ستة أصوات كالدهر
وجرى في نبضك في نبضي نهر
خرج الستة إذ كان غصّة قهر
تطلق في جمر:
إنّا في سلم نمضي للأرض
بالروح وبالدم نفديك يا أمي
كي نطلق هذا الغضب المتأجج من أعماق
الأعماق
إلى الدنيا علّ الدنيا تسمع
فسلام يوم صرخنا
وسلام يوم قتلنا
وسلام يوم سنبقى أقوى
حوار داخلي لا يبتعد عن الحنو، كما يتعامل الإنسان مع أمّه، لكن أحياناً تنتاب
الإنسان ثورة عارمة إذا رأى بأن أمه هذه تتعرض للسحق، هذا ما يلتقطه الشاعر من
الواقع إلتقاط العاشق لمعشوقته ماذا تريد قبل أن تفصح عما تريد، وهذا ما نراه
في تلك الأسطر، فالصورة التي أمامنا تظهر معاناة شديدة من المعتدي، لكن هذه
المعاناة لا تواجه بالإستسلام، ولكن كما رأينا بالروح وبالدم، لعل العالم كلّه
يعي بأننا ندافع عن كرامتنا وأرضنا.
وإذا كان توفيق الشاعر نبع من الفكرة، فإن سوق هذه الفكرة من المعاني، والتوظيف
السليم والدقيق من جماليات ما نرى في النص، والجمال لا يظهر كما نعرف في
استعارة ولا كناية ولا تشبيه، وإنما يبرز في التوظيف السليم للمعنى من خلال ما
يسوق إلينا من أفكار.
ونقف هنا أما لفظة " سلام " التي أوردها الشاعر ثلاث مرات، وما هذا إلا
استلهاماً من القرآن الكريم، عندما جاء قوله تعالى في سورة " مريم" سلام عليه
يوم ولد، ويوم يموت، ويوم يُبعث حيّا " فقد تكررت هنا أيضاً ثلاث مرّات، ونتابع
الصورة الحركية من خلال السطور التالية، لنتعرف على الستة:
خرج الستة
الأول والده يوصيه: أبعد عن وجه السلطة‍
واحفظ حقّك يا ولدي‍
فيقول الولد:
أنى لي أن أحفظ حقي
وأمامي قاضٍ وغريم؟؟‍
أبعد عن وجه السلطة؟
استفهام أم نقطه؟
هذا الحوار لا تشوبه روح الوطنية من قبل الوالد والولد، فكلاهما أكثر حرصاً على
ما يريد، فالوالد يطالب ابنه بألا ينسى حقّه، ولكن بطريق لا ينتهي إلى ألم،
ويأتي التساؤل من الإبن بصورة رائعة، وتدل على أن جيل الإبناء حريصون على
أوطانهم، وأرضهم، وخاب من فكّر بأن الأجيال القادمة ستنسى الأوطان، فيقول: كيف
أحفظ هذا الحق وعدوي ومقاضيني وغريمي واحد، وهذا يدل على أن الطريق الوحيد
لإعادة الأرض يكمن في المواجهة والقتال.
هنا يظهر تكنيك ربما يصل بنا إلى الأسلوب المسرحي، من خلال الشخصيات جميعها،
وحتى تكتمل الصورة نقف على اللوحة الثانية:
الثاني والده يوصيه: أبعد عن فئة تُغضب
حاكمنا
والله الحافظ يحفظنا
فيقول الثاني:
إنى لي أن أحفظ حقي مادمت أقول
الله الحافظ
وأخاف من الآراء كأني أقرض نفسي ريشه
هل غيّرنا ما في النفس؟
لقد كانت إجابة الثاني بليغة إلى حدّ بعيد، ومؤداها، بأننا إذا اقتنعنا بأن
الله هو الحافظ فلِمَ الخوف من العدو، فعلينا أن نعمل بكافة السبل يا والدي
لمقاومة المحتل، سواء كان فكراً أم عملاً، مادام يصب في خانة المقاومة.
أما الثالث، فتأتي الوصية من الوالد إلى ابنه، فماذا يقول له في الوصية:
الثالث والده يوصيه:
ادرس درسك
مِنْ ثمّة تسلك درب الإصرار‍
فيقول الثالث:
ما جدوى الدرس إذا كان الشرب مسموماً
والطعم مسموماً
في محاولة جديدة من خلال رؤية واقعية، يوصي الأب ابنه بأن يهتم بدروسه من أجل
المستقبل، فالمستقبل ‎أمامه، المهم الإنتهاء من دراسته، لكن يأتي الصوت
العقلاني، والرصين، والذي يشعرنا بأن الوطن لن يضيع، ما فائدة الدرس إذا كانت
حياتنا منغصة، فلا قيمة لها مادامت أرضنا محتلة. هنا تبرز أمامنا صور الإنتماء
إلى الوطن، والواجب الوطني الذي علينا أن نقوم به، وليس معنى ذلك بأن الأب يرفض
ما يقوم به ابنه، ولكن رغبة الوالد أولاً في أن ينهي ابنه الدراسة، وبعدها
يمكنه أن يتفرغ للنضال.
أما الصورة الرابعة فتقول:
الرابع والده يوصيه:
إنا: " من نور الشمس " فما شأنك؟
فيقول بلا ردّه:
" إنا نصفان ونعطي معنى الوحده".
رغم حالة التعجيز التي يضها الإب أمام ابنه، إلا أن هذا لا يجدي أمام المشاعر
والأحاسيس، والحقثمّ يأتي الجواب كالصاعقة كما ورد في السطر الأخير.
هذه الصورة التي ساقها الشاعر لا يوجد فيها ما يظر باستسلام الوالد، ولا بعدم
اكتراثه لما يحدث، وإنما هو لون من الإصرار، أو الإستشعار من خلال اطمئنانه على
الوطن، متخذا من ابنه وما يقول له وسيلة لذلك.
أما الصورة الخامسة تبرز لوحة مختلفة عن سابقاتها، وتحمل أيضاً روح الوطنية، بل
الوطنية بكل عناصرها:
يا ياسين احفظ " أرضك عرضك "
فسمعنا ناياً يعزف وحُداء في عرابه
" يا بهية خبريني....... "
اقتران الأرض بالعِرض ليس جديداً على الشعر الفلسطين، وإنما هو جزء من الشعر
الفلسطيني وما ورودها في هذا المقام إلا لإبراز القيمة الحقيقية للأرض، وأننا
لا يمكننا أن نفرّط بالعرض، كما لا يمكننا أن نفرط بالإرض، ورغم أن هذه الصورة
يغلب عليها مخاطبة النفس، لكن الشاعر لم يكن هدفه ذلك، لأن الأرض والعرض لا
تحتاج إلى أن يخاطب الشاعر أو الإنسان النفس حتى يُعمل التأثير المطلوب، فالأرض
والعرض ليستا بحاجة إلى ذلك، ومن هنا كان الهدف وطني أكثر منه نفسي.
أما سادسة الشهداء فكانت أنثى من سخنين
كانت رمزاً ليقول لنا: الدرب سجال
أين رجالْ ؟؟
فاسم الأرض يؤنث تأنيث مجاز
وإذا كان الحوار وقف عند السادسة دون إبراز الوصية، فهذا يعني بأن وصية الوالد
كانت واضحة المعالم، فالأرض تحتاج إلى النضال والفداء من الشباب والفتيات،
وليست قاصرة على جنس دون آخر.
" الدرب سجال " هنا يتمحور المعنى حول إبراز صورة الواقع، والمستقبل، فإذا كان
الحاضر لهم، فالمستقبل لنا، وهذا التفاؤل الذي يسوقه الشاعر نابع من الإرث
الحضاري الذي يرتكز عليه الفلسطيني.
الحوار أظهر الحرص الشديد من كلا الطرفين على الأرض، ولكن لكل واحد مهما أسلوبه
في المواجهة والتحدي، فالوالد لا يريد من ابنه ألا يقاوم، ولكنه يريده أن يمتلك
كل مقومات المواجهة لأن العدو يمتلكها، ولذا علينا أن نواجهه فكرياً وجسدياً
عندما نكون قادرون على ذلك، حتى تكون المواجهة فعلية.
إن الشاعر كما رأينا يأبى أن تكون الحياة على الأرض التي سُلبت دون مواجهة أو
إصرار حتى يبقى الحق منشوداً لكل الأجيال، فجاء النص معبراً عن هذه المعاني من
خلال التنويع وافنتقال بكل عناية ودقة من لوحة إلى أخرى بعيداً عن التكرار
الممل، والأسلوب الغامض، ولا نبعد عن الحقيقة إذا قلنا بأن عدم استخدام الشاعر
للرمز في هذا المقام لون من ألوان الإبداع الفني.
ونتابع مع الشاعر إحدى صوره التي ساقها لتكوّن إيدولوجية فكرية مع سابقتها من
القصائد، فالقصيدة التالية التي تحمل عنوان" الوثيقة المنكره " تبحث في
الأساليب المنكرة التي صاغها المحتل من أجل الحصول على مزيد من الأراضي بدعاوي
باطلة، فالشاعر وصفها بالبطلان، حيث يظهر هنا التشابه بين شخصية القاضي
والمحتل، فهذا لا يُنكر الحق:
وثيقة ضعيفه تشف عن مكامن العداء
عميّ بعنصرية تمج بالسموم
وصية أن ينهبوا الكرم والنجوم
ويسلبوا العطاء
رغم أن الشاعر قد ساق إلينا أسلوب المحتل وممارساته بالنسبة للأرض، إلا أنها
إبرزت نص الوثيقة، فهي تظهر العداء بين الفلسطينيين والصهاينة من خلال الأساليب
العنصرية التي يمارسونها، والتي هي جزء من حياتهم.
لم يبتعد الشاعر عن الحقيقة عندما استخدم الشاعر الألفاظ المعبرة عن المعاني،
وهذا بطبيعة الحال جزء من الممارسة، وسنرى في المقاطع التالية صوراً أخرى:
وثيقة تضج أنني كشوكة إيقاعها قضّ
المضاجع
فليسمعوا ملء المسامع
بأننا باقون: نقاوم المطامع
ونلهب المطر
ومنكر الأصوات لا يُغيّر الغناء والوتر
والحقد كالجنون
لقد واجه الشعب الوثيقة بالمقاومة التي جاءت بأساليب منوعة، وبرزت صور كثيرة
للمقاومة، فمهما حاولت القوى الغاشمة تغيير الواقع، فإن الواقع لن يتغير لأن
قوة الحق أقوى من التغيرات الزائفة والمزعومة التي يحدثونها على أرض الواقع.
إن مهمة الشاعر هنا لإبراز ما وقع من مواجهة وتحدي، وأيضاً نقل الصورة إلى
الأجيال القادمة في المواجهة والتحدي والإصرار على الحقيقة الأبدية وهي أن
الأرض مهما طالت يد الغدر في تهويدها، فالتهويد يكون خارجياً وليس داخلياً، فكم
من قرية تم إزالتها عن وجه الأرض، ولكنها بقيت محفورة في النفوس إلى اليوم، حتى
حدودها مرسومة على خارطة القلب والوجدان.
من شعبنا وشعبهم - وقد صحا بعض -
تردد الرفض
وضجّت الأرض
من حيّة تراقب الجليل
بعين لصٍ يحمل القانون
ويزرع المنون
أبرز الشاعر من خلال ما ساق إلينا بعض صور الرفض لهذه الوثيقة، فشعبنا
الفلسطيني إضافة إلى بعض القوى المطالبة بالسلام خرجت لتعلن الرفض لهذه الوثيقة
المزيفة، فزرعوا الموت بدلا من الحب.
وقد حرص الشاعر على توظيف الصور البلاغية لما لهذه الصور من تأثير في النفس،
ولأبراز حجم المأساة، فها هي الأرض لم تتحمل التهويد، لأن العدو يزرع الموت
بدلا من الحب..
وما استخدامه للرمز " الحية " إلا ليضفي على المعنى بما يتناسب مع المرموز إليه
على أرض الواقع، أو بما يتجانس مع الواقع.
ولكن إذا كان التوفيق قد جانب الشاعر من حيث الحية، إلا أن المراقبة لا تتم إلا
لمن هو في مكان مرتفع ولو استخدم لفظة ط البوم " لكان أدق، ولكن الشاعر ربما
يكون ربطه للحية مع الأرض، ومن هنا جاء بالحية.
وأنت يا عصابة الغباء
لا تنكري، لا تسكتي فم النّتن
فمنكر الأصوات
يدغدغ الأحلام للسبّات
تدحرجي يا ذكريات
الشاعر كما نرى يبرز التفكير الحسي داخل الصورة الشعرية من خلال أحاسيسه
ومشاعره، وهذا التفكير كما هو معروف ينبئ وراء الصورة الكثير من الدلالات،
ويكشف عن الأحاسيس والمشاعر من خلال التفاعل لإبراز الفكرة التي انصهر فيها
وغلّفها بالواقع المر والأليم.
إن المشهد الخارجي الذي اتضح من صور التحدي والرفض ومن خلال الأرض لم يكن يظهر
على أرض الواقع إلا لكونه موجودا في نفس الشاعرنتيجة انعكاس الواقع، وهذا
بطبيعة الحال يبرز التفاعل القائم بين ما هو خارج النفس وبين ما هو موجود في
النفس.
التكثيف في الصور من خلال الدقة في اختيار مفردات الصورة ترجع إلى محاولة
الشاعر جمع العناصر بأبعادها ليؤلف فيما بينها صورة واضحة عن الفكرة الرئيسية
دون أن يحدث في الشكل العام والمضمون ما يؤثر على الموسيقى، ولهذا وجدنا الرابط
بين الفكرة والموسيقى والعاطفة.
وينقلنا الشاعر إلى منحى آخر من خلال قصيدة جديدة وبلغة جديدة تبرزها العاطفة،
فيغلب عليها صورة الحزن والكآبة لكنها تعني في مضمونها رؤيا إلى المستقبل بعين
الحب وليس من خلال الموت والدمار، يضع مقابلة بين صورتين وعلينا اختيار
أفضلهما. ففي فقصيدة " أوري يتسلم شهادة أبيه " يقدّم إليها الشاعر بهذه
الكلمات: أما الأب فقد تعلّم في الجامعة وقضى في الحرب قبل أن ينعم بالشهاده."
الشاعر يرفض الحرب، ويتساءل من خلال المضمون: ما فائدة الحروب؟! ولماذا تحدث؟
وكل شعب يعرف ما له وما عليه، فماذا حدث؟
ويوم أن تلبّدت غيوم
وأرسل الإنسان للإنسان
هدية ثقيلة الحجوم:
صواعقاً، جهنما، سموم
وَشَتْ على أبيك نجمه
كانت تلوم
وعندها
تقدّمت يداه للأمام
لتحضُناك
وذابت الأجفان
بالرمل مع نداك
الشاعرهنا يظهرصورة المعاناة، ولكن السؤال هنا كيف يمكن أن نطلق كلمة إنسان
لشخص لا تتمثل فيه القيم الإنسانية ؟، ورغم هذا التناقض إلا أن هذه الصورة تمثل
عمق المأساة ليس في جيل واحد، وإنما للأجيال القادمة.
أبوك في غيابة الخفاء والزمن
في رحلة خفيّة الخطى
وصار سِرّاً مرتهن
في حضرة الكفن
" حاييم " في سيناء تاه
" حاييم " تاه في الغيوب
ثانية يتوه
وعنده بلا غطاء
ماتي وفتحي وعلاء )
هذه الصورة التي ينقلها الشاعر فيها من التفصيلية دون الإستعانة بخيال الشاعر
وذلك ليتحدث من خلالها عن مشاعره، حتى وإن كانت الحقيقة هي الغالبة عليها، فإن
لها في النفس كوامن بعثتها عوامل نفسية داخلية، فجّرت الكثير من الرؤى ذات
الدلالات المنطقية. صحيح أن تكنيك القصة وارد فيها بشكل واضح، وهذا يعتبر من
الإبداع الفني للنص، إلا أنها حملت معها الكثير من التوقيعات المشرقة في
المنهجية الفنية والفكرية للنص.
وفي المحور الثالث من النص يقول:
وقدموك كي يؤدوك الشهادة
بفرحة حضنتها تفاخر اجتهاده
( أمامهم
بكوا، دعوا إلهَهُمْ
أن ينتقم
فهذه دروسهم)
من خلال المخزون اللاشعوري عند الشاعر الذي تركه لنا في محاولة للتعبير من خلال
قوله ( فهذه دروسهم ) وهذه الصورة التي أمامنا تحمل الكثير من المضامين التي
تبرز أسلوبهم في الإضطهاد.
تلتئم العائلة
واجمة تطالع الصورة سائله
بأن يعود
وصمته يشكّل السدود
يهنئونه نجاحه الموعود
يرونه شهادة موقعة
كم كان يرنو أن يراها
يعلقونها بقربه
هذا اللون من المشاعر، وهذا التكنيك الفني المشحون بشحنات انفعاليه عاليه من
خلال ( الرغبة وعدم تحقيقها) يشكلان محوراً أساسياً في بناء وتتمة الصورة، حيث
تبرز لنا الكثير من النواحي ذات الأبعاد النفسية التي انعكست من ذات الشاعر على
ألفاظ النص واستطاع بمدركاته النفسية أن يقرّب الصورة ويوحدّها مع ما سبق حتى
تتجاذب مع بعضها


وسلااااااااااااامتكم

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


ريانيه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-15-2005, 01:02 AM   رقم المشاركة : 9
معلومات العضو
المجهــــول
 عضو جديد 

إحصائية العضو










افتراضي


 

اوووووف تعب






بس رووووووووووووووعه منهاا

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


التوقيع

 , www.thelegend.net/vb/ , ط´ط¨ظƒط© ط§ظ„ط£ط³ط·ظˆط±ط© ,

 

المجهــــول غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
قديم 03-20-2005, 04:10 PM   رقم المشاركة : 10
معلومات العضو
ريانيه
 عضو متقدم 
 
الصورة الرمزية ريانيه

 

إحصائية العضو












افتراضي


 

هههههههههه أدري ماقريتها




بس يسلمو على الرد



كلها شرح وتفصيل للي يحبون النقد الشعري

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 


ريانيه غير متواجد حالياً   رد مع اقتباس
 
 
إضافة رد

مواقع النشر (المفضلة)

الكلمات الدلالية (Tags)
مجموعة, لعيونكم, اسعار, وخواطر
 
 
 

أدوات الموضوع
انواع عرض الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع إضافة مواضيع جديدة
تستطيع الرد على المواضيع
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

BB code is متاحة
كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
Trackbacks are متاحة
Pingbacks are متاحة
Refbacks are متاحة


المواضيع المتشابهه
الموضوع كاتب الموضوع المنتدى مشاركات آخر مشاركة
اكبر مكتبة هاكات لعيونكم لوليتا أرشيف المنتدى 10 10-31-2010 05:05 PM
صور رمزية للماسنجر من ايدي لعيونكم zohir قسم البرامج والهواتف 32 09-07-2008 01:25 AM
اشعار اشعار اشعار مش معقوله اسلام المصرى الأدب والفن والتراث 4 11-26-2007 10:35 PM
مجموعة من اشعار الحكمه للشافعي اعجبتني.. حبيت اشارككم الاعجاب بها.. al-taeeh الأدب والفن والتراث 25 10-28-2007 11:01 PM


free counters
Preview on Feedage: %D9%85%D9%86%D8%AA%D8%AF%D9%8A%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%B3%D8%B7%D9%88%D8%B1%D9%87 Add to My Yahoo! Add to Google! Add to Windows Live

الساعة الآن 06:04 AM.


Powered by vBulletin® Version 3.8.2
Copyright ©2000 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
SEO by vBSEO 3.5.2 ©2010, Crawlability, Inc.
جميع المشاركات المكتوبة تعبّر عن وجهة نظر كاتبها ... ولا تعبّر عن وجهة نظر إدارة المنتدى